السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٥ - باب الهجرة إلى المدينة
رضي اللّه تعالى عنهم و دعوا فيها النساء اللاتي استمتعوا بهن في خيبر عند رجوعهن من خيبر، أو وقع توديع من خرج إلى غزوة تبوك فيها، أو لكونه (صلى اللّه عليه و سلم) ودّع بعض المسافرين عندها، و هذا يدل على أن هذا الشعر قيل له عند دخوله المدينة لا عند دخوله قباء، و سياق بعضهم يقتضيه؛ و سياق بعض آخر يقتضي أنه كان عند دخوله قباء؛ و من هذا تعلم أن المدينة تطلق و يراد بها ما يشمل قباء، و منه قولنا و سرى السرور إلى القلوب بحلوله (صلى اللّه عليه و سلم) في المدينة؛ فعن البراء إلى آخره، و هي المرادة بدخوله المدينة يوم الاثنين على ما تقدم؛ و تطلق و يراد بها ما قابل قباء و حينئذ تكون هذه المرادة بقول أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة إلى آخره، و لعل منه ما في بعض الروايات المتقدمة «دخل المدينة يوم الجمعة» الذي حكم الحافظ ابن حجر بشذوذه كما تقدم.
«و لما جلس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قام أبو بكر للناس» أي و أبو بكر شيخ: أي شيبه ظاهر، و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) شاب: أي شعر لحيته أسود مع كونه أسن من أبي بكر كما تقدم.
و قد قال أنس: لم يكن في الذين هاجروا أشمط غير أبي بكر «فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يجيء أبا بكر فيعرفه بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) حتى أصابت الشمس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرفه الناس» أي عرفه من جاء منهم بعد ذلك: أي لأن عدم تأثير الشمس فيه لتظليل الغمامة كان قبل البعثة إرهاصا كما تقدم.
و مما يدل على أن خروجه من قباء كان يوم الجمعة قول بعضهم «و لبث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في بني عمرو بن عوف» أي في قباء «بقية يوم الاثنين و يوم الثلاثة و يوم الأربعاء و يوم الخميس و خرج يوم الجمعة» و قيل لبث بضع عشرة ليلة، و هو المنقول عن البخاري.
و عن ابن عقبة «أقام (صلى اللّه عليه و سلم) ثنتين و عشرين ليلة» و في الهدى «أقام أربعة عشر يوما» و هو ما في صحيح مسلم فليتأمل «و أسس في قباء المسجد الذي أسس على التقوى:
أي الذي نزلت فيه الآية، و صلى فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» قال في الهدى: و لا ينافي هذا قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «و قد سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: مسجدكم هذا، و أشار لمسجد المدينة» أي و في رواية «فأخذ حصاة فضرب به الأرض، و قال:
مسجدكم هذا» يعني مسجد المدينة، لأن كلا منهما مؤسس على التقوى هذا كلامه.
و يوافقه ما نقل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه كان يرى كل مسجد بني المدينة الشاملة لقباء أسس على التقوى: أي لكن الذي نزلت فيه الآية مسجد قباء «و كان خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار» قال: قيل و كان محل مسجد قباء مربد أي محلا يجفف فيه التمر لكلثوم بن الهدم، و هو أول مسجد بني