السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٣ - باب الهجرة إلى المدينة
أقول: سيأتي ما يخالف ذلك، و هو «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما نزل في دار أبي أيوب بعث زيد بن حارثة و أبا رافع إلى مكة و أعطاهما خمسمائة درهم و بعيرين يقدمان عليه بفاطمة و أم كلثوم بنته و سودة زوجته و أم أيمن و ولدها أسامة» إلا أن يقال يجوز أن يكون الكتاب الذي فيه استدعاء سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه للهجرة كان مع زيد و أبي رافع رضي اللّه تعالى عنهما و أنهما صحباه. و لا ينافي ذلك ما تقدم من أنه (صلى اللّه عليه و سلم) تأخر بعد عليّ رضي اللّه تعالى عنه بمكة ثلاث ليال يؤدي الودائع، لأن تلك الليالي الثلاث كانت مدة تأدية الودائع؛ و مكث بعدها إلى أن جاءه كتاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و حينئذ يكون قدم على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بالمدينة بعد نزوله بقباء على أم كلثوم فلا مخالفة، لكن في السيرة الهشامية «فنزل: أي عليّ معه أي مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) على أم كلثوم» و هو لا يتأتى إلا على القول بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) مكث في قباء بضع عشرة ليلة كما سيأتي، و حينئذ يخالف ما سبق من مجيئه مع زيد و أبي رافع، لما علمت أنه (صلى اللّه عليه و سلم) إنما أرسلهما بعد أن تحول من قباء إلى المدينة.
و في الإمتاع: لما قدم عليّ من مكة كان يسير الليل و يكمن النهار حتى تفطرت قدماه، فاعتنقه النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و بكى رحمة لما بقدميه من الورم، و تفل في يديه و أمرّهما على قدميه فلم يشكهما بعد ذلك، و لا مانع من وقوع ذلك من عليّ مع وجود ما يركبه، لأنه يجوز أن يكون هاجر ماشيا رغبة في عظيم الأجر.
و في السيرة الهشامية: أن إقامة عليّ بقباء كانت ليلة أو ليلتين، و أنه رأى امرأة مسلمة لا زوج لها يأتيها إنسان من جوف الليل يضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه، قال علي: فسألتها فقالت: هذا سهل بن حنيف قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى غدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها فقال احتطبي بهذا: أي اجعليه للنار، فكان عليّ يعرف ذلك لسهل بن حنيف و اللّه أعلم.
قال: و نزل أبو بكر على حبيب بن أبي إساف، و قيل على خارجة بن زيد بالسنح بضم السين المهملة فنون ساكنة فحاء مهملة.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: ولد نبيكم يوم الاثنين، و حملت به أمه يوم الاثنين، و خرج من مكة: أي من الغار يوم الاثنين، و دخل المدينة يوم الاثنين.
قال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) كان يوم الاثنين و دخوله المدينة كان يوم الاثنين. زاد بعضهم: و فتح مكة كان يوم الاثنين، و وضع الركن كان يوم الاثنين.
و من الغريب ما حكاه بعضهم عن الربيع المالكي، و كان بمصر كان يوم الاثنين خاصة إذا نام فيه تنام عيناه و لا ينام قلبه. و قيل خرج من مكة أي إلى الغار يوم