السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٧٤ - باب الهجرة إلى المدينة
الخميس، و عليه يكون مكث (صلى اللّه عليه و سلم) في الغار تلك الليلة التي هي ليلة الجمعة، و ليلة السبت و ليلة الأحد، و عليه يكون خروجه من الغار صبيحة ليلة الأحد.
ففي البخاري «أتاهما» أي الدليل «براحلتيهما صبح ثلاث» و تقدم أن خروجهما إلى الغار كان ليلا من بيت أبي بكر، و قول أبي بكر «سرنا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة» يقتضي أنهما خرجا من الغار ليلا، بل أول الليل، لأن مع التأكيد يبعد أن يكون المراد بقية ليلتنا، و تقدم عن البخاري «أتاهما براحلتيهما صبح ثلاث» و حمل ذلك على ما قارب الصبح من الليل بعيد فليتأمل هذا المحل. و قيل دخلها أي المدينة ليلا كما في رواية لمسلم، أي و قال الحافظ ابن حجر: و يجمع بأن القدوم كان آخر الليل فدخلها نهارا.
أقول: لعل مراد الحافظ أن الوصول كان ليلا إلى قرب المدينة فأقاموا بذلك المحل إلى أن أسفر النهار و ساروا فما و صلوا إلا وقت الظهيرة، فلا يخالف ما تقدم، و قيل دخلها يوم الجمعة. و ذكر الحافظ ابن حجر أنه شاذ و اللّه أعلم.
و سرى السرور إلى القلوب بحلوله (صلى اللّه عليه و سلم) في المدينة. فعن البراء رضي اللّه تعالى عنه، قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
و عن أنس بن مالك رضي اللّه تعالى عنه قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة أضاء منها كل شيء و صعدت ذوات الخدور على الأجاجير:
أي الأسطحة عند قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) يعلنّ بقولهن: طلع البدر علينا. الخ.
و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة جعل النساء و الصبيان و الولائد يقلن:
طلع البدر علينا* * * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا* * * ما دعا للّه داع
أيها المبعوث فينا* * * جئت بالأمر المطاع
قال: و استشكل بأن ثنيات الوداع ليست من جهة القادم من مكة، بل هي من جهة الشام. فقد قال ابن القيم في الهدى في غزوة تبوك: ثنيات الوداع من جهة الشام لا يطؤها القادم من مكة. و نقل الحافظ ابن حجر عنه عكس ذلك، و ليس في محله، و أجيب بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) جاء من جهتها في دخوله للمدينة عند خروجه من قباء ا ه.
أي و في كلام بعضهم: ما كان أحد يدخل المدينة إلا منها، فإن لم يعبر منها مات قبل أن يخرج لوبائها كما زعمت اليهود، فإذا وقف عليها قيل قد ودع فسميت به؛ و قيل قيل لها ثنية الوداع لأن المودع يمشي مع المسافر من المدينة إليها، و هو اسم قديم جاهلي، و قيل إسلامي؛ سمي ذلك المحل لذلك، و قيل لأن الصحابة