السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠٤ - باب الهجرة إلى المدينة
ماء يستعذب غير بئر رومة، و لم يكن يشرب منها أحد إلا بالثمن، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): من يشتري بئر رومة، و لم يكن يشرب منها أحد إلا بالثمن، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): من يشتري بئر رومة يجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين» في لفظ:
«ليكون دلوه فيها كدلاء المسلمين بخير له منها في الجنة» و في لفظ له «بها مشرب في الجنة» فاشتريتها من صلب مالي فجعلتها للغني و الفقير و ابن السبيل؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها، بل و تمنعوني الماء: أ لا أحد يسقينا فإني أفطر على الماء الملح و في رواية: هل فيكم من يبلغ عليا عطشنا فأبلغوه، فلما بلغ ذلك عليا أرسل إليه بثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه و جرح بسببها عدة من موالي بني هاشم و بني أمية أي و كانت هذه البئر ركية ليهودي يقال له رومة، يقال إنه أسلم، و كان يبيع المسلمين ماءها، كانت بالعقيق، و تفل فيها (صلى اللّه عليه و سلم) فعذب ماؤها: و لما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين، يضرب بدلوه في دلائهم و له بها مشرب في الجنة» فساومه فيها عثمان فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى نصفها باثني عشر ألف درهم، و جعل ذلك للمسلمين، و جعل له يوما و لليهودي يوما، فإذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى اليهودي ذلك قال لعثمان: أفسدت عليّ زكيتي، فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف، و قيل جملة ما اشتراها به خمسة و ثلاثون ألف درهم. و قول عثمان جعلتها للغني و الفقير و ابن السبيل، دليل على أن قوله دلوي فيها كدلاء المسلمين على أنه لم يشترط ذلك بل قصد به التعميم في الموقوف عليه. و لا دليل فيه على جواز أن للواقف أن يشترط له الانتفاع بما وقفه كما زعمه بعضهم.
و كان حصار عثمان رضي اللّه تعالى عنه شهرين و عشرين يوما. و في كلام سبط ابن الجوزي: كان الحصار الأول عشرين يوما، و الثاني أربعين يوما، و في يوم من تلك الأيام قال: وددت لو أن رجلا صادقا أخبرني عن أمري هذا: أي من أين أوتيت؟ فقام رجل من الأنصار، فقال أنا أخبرك يا أمير المؤمنين، إنك تطأطأت لهم فركبوك و ما جرأهم على ظلمك إلا إفراط حلمك، فقال له: صدقت، اجلس.
و أول من دخل عليه الدار محمد بن أبي بكر، تسور عليه هو و جماعة من الحائط من دار عمرو بن حزم فأخذ بلحيته، فقال له: دعها يا بن أخي، فو اللّه لقد كان أبوك يكرمها فاستحى و خرج. و في رواية: لما أخذ بلحيته هزها و قال له ما أغنى عنك معاوية، و ما أغنى عنك ابن أبي سرح، فقال له: يا بن أخي أرسل لحيتي، فو اللّه إنك لتجر لحية كانت تعز على أبيك، و ما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني، فتركه و خرج، و يقال إنه قال له: ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك، فقال عثمان: أستنصر باللّه عليك و أستعين به، ثم طعن جبينه بمشقص كان في يده، ثم