السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦٥ - باب بدء الأذان و مشروعيته
و من اليهود من دخل في الإسلام تقية من القتل، لما قهرهم الإسلام بظهوره و اجتماع قومهم عليه، فكان هواهم مع يهود في السر، أي هم المنافقون.
و قد ذكر بعضهم «أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثلاثمائة منهم الجلاس بجيم مضمومة فلام مخففة فألف فسين مهملة ابن سويد بن الصامت قال يوما إن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير، فسمعها عمير بن سعد رضي اللّه تعالى عنه، و هو ابن زوجة جلاس، أي فإن الجلاس كان زوجا لأم عمير، و كان عمير يتيما في حجره و لا مال له، و كان يكفله و يحسن إليه، فجاء الجلاس ليلة فاستلقى على فراشه فقال: لئن كان ما يقوله محمد حقا فلنحن شر من الحمير. فقال له عمير: يا جلاس إنك لأحب الناس و أحسنهم عندي يدا، و لقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك، و لئن صمت عليها: أي سكت عنها ليهلكن عليّ ديني و لإحداهما أيسر علي من الأخرى فمشى إلى رسول (صلى اللّه عليه و سلم) فذكر له مقالة جلاس، فأرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى جلاس، فحلف باللّه لقد كذب عليّ عمير و ما قلت ما قال عمير، فقال عمير: بلى و اللّه لقد قلته فتب إلى اللّه، و لو لا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته».
و جاء «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) استحلف الجلاس عند المنبر، فحلف أنه ما قال، و استحلف الراوي عنه فحلف لقد قال و قال: اللهم أنزل على نبيك تكذيب الكاذب و تصديق الصادق، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) آمين، فنزل قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ [التّوبة: الآية ٧٤] إلى قوله فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ [التّوبة:
الآية ٧٤] فاعترف الجلاس و تاب، و قيل منه (صلى اللّه عليه و سلم) توبته، و حسنت توبته، و لم ينزع عن خير كان يصنعه مع عمير؛ فكان ذلك مما عرف به حسن توبته، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لعمير: وقيت أذنك».
و منهم نبتل بنون مفتوحة فموحدة ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فلام ابن الحارث قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم) «من أحبّ أن فلينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث، كان يجلس إليه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم ينقل حديثه للمنافقين، و هو الذي قال لهم: إنما محمد أذن، من حدثه بشيء صدقه فأنزل اللّه فيه وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التّوبة:
الآية ٦١] الآية».
و جاء جبريل إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال له «يجلس إليك رجل معك صفته كذا، تقال:
أي للحديث الذي تحدث به، كبده أغلظ من كبد الحمار، ينقل حديثك إلى المنافقين فاحذره».
و منهم عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول و هو رأس المنافقين، و لاشتهاره بالنفاق لم يعدّ في الصحابة، و كان من أعظم أشراف أهل المدينة، و كانوا قبل مجيئه (صلى اللّه عليه و سلم) للمدينة