السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١١ - باب غزوة بدر الكبرى
نوفل، و إنما نفرتم لتمنعوه و ماله، و اجعلوا بي حميتها، و ارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير منفعة لا ما يقول هذا» يعني أبا جهل «و قال لأبي جهل أي و قد خلا به، أ ترى محمدا يكذب؟ فقال: ما كذب قط، كنا نسميه الأمين، لكن إذا كانت في بني عبد المطلب السقاية و الرفادة و المشورة، ثم تكون فيهم النبوّة فأي شيء يكون لنا؟ فانخنس الأخنس و رجع ببني زهرة» أي و اسمه أبيّ و إنما لقب بالأخنس من حين رجع ببني زهرة، فقيل خنس بهم فسمي الأخنس، كان حليفا لبني زهرة و مقدما فيهم رضي اللّه تعالى عنه- فإنه أسلم يوم الفتح، و أعطاه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع المؤلفة قلوبهم».
و رأيت عن السهيلي «أنه قتل يوم بدر كافرا» و تبعه على ذلك التلمساني في حاشية الشفاء و استدل له بقول القاضي البيضاوي: أن قوله تعالى وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: الآية ٢٠٤] الآية نزلت في الأخنس بن شريق.
و في الإصابة أنه كان من المؤلفة، و مات في خلافة عمر.
و عن السدي «أن الأخنس جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأظهر إسلامه و قال: اللّه يعلم إني لصادق ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم مسلمين فحرق زرعهم، فنزلت وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: الآية ٢٠٤] إلى قوله: وَ بِئْسَ الْمِهادُ [الرّعد: الآية ١٨].
قال ابن عطية، ما ثبت قط أن الأخنس أسلم، قلت قد أثبته في الصحابة جماعة، و لا مانع أن يكون أسلم ثم ارتد ثم رجع إلى الإسلام، هذا كلام الإصابة.
و في كلام ابن قتيبة، و لم يسلم الأخنس، و في كلام بعضهم: ثلاثة ابن و أبوه وجده شهدوا بدرا الأخنس و ابنه يزيد و ابنه معن فليتأمل ذلك.
«قال و أرادوا بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل و قال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع» انتهى.
ثم لم يزالوا سائرين حتى نزلوا بالعدوة القصوى قريبا من الماء، و نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و المسلمون بعيدا من الماء، بينهم و بين الماء رحلة، فظمئ المسلمون و أصابهم ضيق شديد، و أجنب غالبهم، و ألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، فوسوس إليهم، تزعمون أنكم أولياء اللّه تعالى و أنكم على الحق و فيكم رسوله، و قد غلبكم المشركون على الماء و أنتم عطاش، و تصلون مجنبين، أي و ما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم، و يذهب قواكم، فيحكموا فيكم كيف شاءوا».
و في الكشاف «فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم، فقتلوا من أحبوا، و ساقوا بقيتكم إلى مكة، فحزنوا حزنا شديدا و أشفقوا، و كان الوادي دهسا بالسين