السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٤ - غزوة أحد
حسن الوجه لا أعرفه حتى كان بعد» أي حتى بعد انقضاء الحرب لم أعرفه، فظننت أنه ملك، أي و في رواية عنه أنه قال «رميت بسهم فرده عليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و سهمي أعرفه حتى واليت بين ثمانية أو تسعة، كل ذلك يرده عليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقلت: هذا سهم دم» أي يصيب «فجعلته في كنانتي لا يفارقني».
أقول: و لا منافاة بين هذا و بين قوله ثم أخذت سهما، لأن قوله المذكور لا ينافي أن يكون أخذه بمناولته (صلى اللّه عليه و سلم) لا من كنانته كما قد يتبادر، و لا بين قوله فيرده عليّ رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه، لأنه يجوز أن يكون ذلك الرجل كان يرد السهام التي كان يرمي بها حتى لا تفنى سهامه إلا هذا السهم فإنه لم يرده له، بل يناوله له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و يرده عليه. و لا منافاة بين قوله: حتى واليت بين ثمانية أو تسعة و بين إخباره بقوله: ثم أخذت سهما إلى أن عدد خمس مرات، لأنه يجوز أن تكون تلك الخمسة قتل فيها و فيما زاد لم يقتل بل جرح فليتأمل و اللّه أعلم.
و صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ظهر ذلك اليوم و هو جالس من الجراحة التي أصابته.
و صلى المسلمون خلفه قعودا: أي و لعلّ ذلك كان بعد انصراف عدوهم. و إنما صلى المسلمون خلفه (صلى اللّه عليه و سلم) قعودا موافقة له (صلى اللّه عليه و سلم) و قد نسخ ذلك.
أو أن من صلى قاعدا إنما هو لما أصابهم من الجراح و كانوا هم الأغلب، فقيل صلى المسلمون خلفه قعودا؛ فقد جاء أنه وجد بطلحة رضي اللّه عنه نيف و سبعون جراحة من طعنة و ضربة و رمية و قطعت أصبعه. و في رواية أنامله. و عند ذلك قال حسن، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): «لو قلت بسم اللّه لرفعتك الملائكة (عليهم السلام) و الناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جوّ السماء» زاد في لفظ «و لرأيت بناءك الذي بني اللّه لك في الجنة و أنت في الدنيا».
و في البخاري عن قيس بن أبي حازم قال «رأيت يد طلحة بن عبيد اللّه شلاء وقى بها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم أحد» أي من سهم، و قيل من حربة و نزف به الدم حتى غشي عليه؛ و نضح أبو بكر رضي اللّه عنه الماء في وجهه حتى أفاق، فقال ما فعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؟ قال له أبو بكر: هو بخير، و هو أرسلني إليك، فقال: الحمد اللّه كل مصيبة بعده جلل أي قليلة.
و كان يقال لطلحة رضي اللّه عنه الفياض، سماه بذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في غزوة العشيرة كما تقدم. و سماه طلحة الجود في أحد، لأنه أنفق في أحد سبعمائة ألف درهم. و سماه في أحد أيضا طلحة الخير.
و عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه أصيب فوه فهتم و جرح عشرين جراحة.
قال و في رواية عشرين جراحة فأكثر، و جرح في رجله فكان يعرج منها.