السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٦ - باب غزوة بدر الكبرى
و ليست في نفسي، فقال وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأ قفاه و تبزق في وجهه و تلطم عينه، فوجده (صلى اللّه عليه و سلم) ساجدا في دار الندوة ففعل به ذلك، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «لا ألقاك خارج مكة إلا علوت رأسك بالسيف» كذا في الكشاف، و في لفظ آخر «بكفرك، و فجورك، و عتوّك على اللّه و رسوله، و أنزل اللّه فيه وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ [الفرقان: الآية ٢٧] الآية».
و ذكر ابن قتيبة «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما أمر بقتل عقبة، أي و قد قال: يا معشر قريش ما لي أقتل من بينكم! أي و أنا واحد منكم، قال له: يا محمد ناشدتك اللّه و الرحم فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): هل أنت إلا يهودي من أهل صفورية» و في رواية «قال له: إنما أنت يهودي من أهل صفورية» أي فليس هو من قريش: أي لا رحم بيني و بينك: أي لأن أمية جد أبيه خرج إلى الشام لما نافر عمه هاشم كما تقدم فأقام بصفورية و وقع على أمة يهودية و لها زوج يهودي من أهل صفورية فولدت له أبا عمرو الذي هو والد أبي معيط على فراش اليهودي فاستلحقه بحكم الجاهلية، ثم قدم به مكة و كناه بأبي عمرو و سماه ذكوان مع أن الولد للفراش، و قيل كان عبدا لأمية فتبناه. فلما مات أمية خلفه على زوجته.
و يدل لهذا الثاني ما ذكره بعض المؤرخين أن معاوية رضي اللّه تعالى عنه سأل رجلا من علماء النسب وفد عليه: كم عمرك؟ قال أربعون و مائتا سنة قال: كيف رأيت الزمان؟ فقال سنيات بلاء، و سنيات رخاء، يهلك والد، و يخلف مولود، فلو لا الهالك لامتلأت الدنيا، و لو لا المولود لم يبق أحد، فقال له: هل رأيت عبد المطلب؟ قال نعم، أدركته شيخا و سيما متسما جسيما، يحف به عشرة من بنيه كأنهم النجوم، فقال له: هل رأيت أمية بن عبد شمس؟ يعني جده، قال نعم: رأيته أخفش أزرق ذميما، يقوده عبده ذكوان، فقال: ويحك كف، فقد جاء غير ما ذكرت ذاك ابنه. فقال: أنتم تقولون ذلك.
و القاتل لعقبة عاصم بن ثابت، و قيل علي رضي اللّه تعالى عنهما، أي و قيل صلب على الشجرة.
أقول: قال محمد بن حبيب الهاشمي: هو أول مصلوب في الإسلام، و رده ابن ابن الجوزي بأن أول من صلب في الإسلام خبيب بن عدي.
و قد يقال: لا مخالفة، لأن المراد بالثاني، أول مصلوب من المسلمين، و بالأول أول مصلوب من الكفار.
و ذكر أن أول من استعمل الصلب فرعون، و لعل المراد به فرعون موسى بن عمران لا فرعون إبراهيم الخليل و هو أول الفراعنة، و لا فرعون يوسف بن يعقوب