السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٣٨ - باب بدء الأذان و مشروعيته
و الشافعي رضي اللّه تعالى عنه أخذ بأذان أبي محذورة و إقامة بلال، فاستحب الترجيع في الأذان و الإفراد في الإقامة إلا لفظها.
و أبو حنيفة (رحمه اللّه) أخذ بأذان بلال و إقامة أبي محذورة، أي فلم يستحب الترجيع، و استحب تثنية ألفاظ الإقامة.
قال في الهدى: و أخذ مالك بما عليه عمل أهل المدينة من الاقتصار في التكبير على مرتين في الأذان و على كلمة الإقامة مرة واحدة؛ أي و لعل هذا بحسب ما كان في المدينة، و إلا ففي أبي داود «و لم يزل ولد أبي محذورة و هم الذين يلون الأذان بمكة يفردون الإقامة» أي معظم ألفاظها «و يحكونه عن جدهم» غير أن التثنية عنه أكثر؛ فيحتمل أن إتيان أبي محذورة بالإقامة فرادى، و استمراره و ولده بعده على ذلك كان بأمر منه (صلى اللّه عليه و سلم) له بذلك بعد أمره أولا له بتثنيتها، أي فيكون آخر أمره الإفراد. و قد قيل لأحمد رضي اللّه تعالى عنه- و قد كان يأخذ بأذان بلال أي كما تقدم: أ ليس أذان أبي محذورة بعد أذان بلال، أي لأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) علمه له عند منصرفه من حنين على ما سيأتي، و هو الذي رواه إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه عن أبي محذورة أنه قال «خرجت في نفر و كنا ببعض طريق حنين، فقفل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من حنين، فلبث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالصلاة، فسمعنا صوت المؤذن و نحن متنكبون» أي عن الطريق «فصرنا نحكيه و نستهزئ به، فسمع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم كلهم إليّ فحبسني» أي أبقاني عنده «و أرسلهم و قال: قم فأذن، فقمت و لا شيء أكره إليّ من النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و لا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فألقى عليّ التأذين هو بنفسه (صلى اللّه عليه و سلم)» الحديث «ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصيتي و مر بها على وجهي، ثم بين يدي، ثم على كبدي حتى بلغت يده سرتي، ثم قال: بارك اللّه فيك، و بارك عليك، فقلت: يا رسول اللّه مرني بالتأذين بمكة، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): قد أمرتك به» و ذهب كل شيء كان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من كراهته و عاد ذلك كله محبة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقدمت على عتاب بن أسيد رضي اللّه تعالى عنه عامل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على مكة فأذنت بالصلاة عن أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
و قيل علمه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك يوم فتح مكة لما أذن بلال رضي اللّه تعالى عنه للظهر على ظهر الكعبة، و صار فتية من قريش يستهزءون ببلال و يحكون صوته، و كان من جملتهم أبو محذورة، فأعجبه (صلى اللّه عليه و سلم) صوته فدعاه و علمه الأذان، و أمره أن يؤذن لأهل مكة فليتأمل الجمع، و إنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي بالمتأخر عنه، لأن المتأخر ينسخ المتقدم، فقال: أ ليس لما عاد إلى المدينة أقر بلالا على أذانه؟.