السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤٠ - باب بدء الأذان و مشروعيته
عمر فقال له كما قال لأبي بكر و ردّ عليه رضي اللّه عنه كما رد عليه أبو بكر، فأبى و خرج إلى الشام مجاهدا.
و في «أنس الجليل»: لما فتح أمير المؤمنين عمر رضي اللّه تعالى عنه بيت المقدس حضرت الصلاة، فقال: يا بلال أذن لنا يرحمك اللّه، قال بلال: يا أمير المؤمنين و اللّه ما أردت أن أؤذن بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى أحد و لكن سأطيعك إذ أمرتني في هذه الصلاة وحدها، فلما أذن بلال و سمعت الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم صوته ذكروا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فبكوا بكاء شديدا، و لم يكن من الصحابة يومئذ أطول بكاء من أبي عبيدة و معاذ بن جبل، حتى قال لهما عمر رضي اللّه تعالى عنه:
حسبكما رحمكما اللّه تعالى، فلم يؤذن بلال بعد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا مرة واحدة لما أمره عمر بالأذان؛ هذا ما في أنس الجليل، أي فالمراد بالمرة هذه المرة التي كانت ببيت المقدس.
و فيه أن هذا يخالف ما تقدم مما ظاهره أنه استمر يؤذن مدة خلافة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه، و ما تقدم من إلحاح الحسن و الحسين عليه في أن يؤذن عند مجيئه للمدينة.
إلا أن يقال: المراد لم يؤذن خارج المدينة فلا يخالف ما سبق من أذانه بعد إلحاح الحسن و الحسين، و لعل ما سبق كان بعد فتح بيت المقدس، بل و بعد موت الخلفاء الأربعة.
ثم رأيت الزين العراقي قال: لم يؤذن بلال بعد موت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لأحد من الخلفاء، إلا أن عمر لما قدم الشام حين فتحها أذن بلال، هذا كلامه فليتأمل مع ما سبق.
و في الكتاب المذكور: روي عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه «أن رجلا قال: يا رسول اللّه أي الخلق أول دخولا الجنة، قال: الأنبياء، قال: ثم من؟
قال الشهداء، قال: ثم من؟ قال مؤذنو بيت المقدس، قال: ثم من؟ قال مؤذنو بيت الحرام قال: ثم من؟ قال مؤذنو مسجدي، قال: ثم من؟ قال سائر المؤذنين».
ثم رأيت في نسخة من شرح المنهاج للدميري عن جابر تقديم مؤذني المسجد الحرام على مؤذني بيت المقدس. و رأيت في بعض الروايات ما يوافقه، و هي «أول من يدخل الجنة بعدي أبو بكر ثم الفقراء، ثم مؤذنو المسجد الحرام، ثم مؤذنو بيت المقدس، ثم مؤذنو مسجدي، ثم سائرهم على قدر أعمالهم».
و في «البدور السافرة» عن جابر رضي اللّه تعالى عنه «أن رجلا قال: يا رسول اللّه أي الخلق أول دخولا الجنة يوم القيامة؟ قال: الأنبياء، قال: ثم من؟ قال الشهداء،