السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٦ - غزوة بني المصطلق
و هذا هو الصحيح، و الوهم لم يسلم منه أحد من بني آدم.
و فيه أن مما يدل على تقدمها، و أن ذكر سعد بن معاذ ليس من الوهم في شيء ما ذكره في الكتاب المذكور الذي هو في الإمتاع أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مكث أياما. ثم أخذ بيد سعد بن معاذ في نفر حتى دخل على سعد بن عبادة فتحدثوا ساعة و قرّب لهم سعد بن عبادة طعاما فأصابوا منه ثم انصرفوا، فمكث أياما ثم أخذ بيد سعد بن عبادة في نفر فانطلقوا حتى دخلوا منزل سعد بن معاذ فتحدثوا ساعة و قرّب لهم سعد بن معاذ طعاما فأصابوا منه، ثم خرجوا، فذهب من أنفسهم ما كان، و أن ذكر سعد بن معاذ وقع في الصحيحين و غيرهما و اللّه أعلم.
و ذكر أن صفوان بن المعطل رضي اللّه عنه الذي كان الإفك بسببه ظهر أنه كان حصورا لا يأتي النساء، أي إنما معه مثل الهدبة: أي عنين.
و قد قال الشيخ محيي الدين: الحصور عندنا العنين، أي و يدل له ما في البخاري «أنه رضي اللّه عنه ما كشف كنيف امرأة قط» أي سترها، لأن الكنيف الساتر.
و قد جاء في تفسير وصف يحيى بن زكريا بحصورا أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أهوى إلى الأرض و أخذ قذاة. و قال: كان ذكره- يعني يحيى (عليه السلام) مثل هذه القذاة، و لعل المراد التشبيه في الارتخاء و عدم الشدة، فلا يخالف ما قبله، لكن في النهر:
الحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك، أي و ربما يؤيد ذلك ما جاء «أربعة لعنوا في الدنيا و الآخرة و أمنت الملائكة. رجل جعله اللّه ذكرا فأنث نفسه و تشبه بالنساء. و امرأة جعلها اللّه أنثى فتذكرت و تشبهت بالرجال. و الذي يضل الأعمى.
و رجل حصور، و لم يجعل اللّه حصورا إلا يحيى بن زكريا عليهما الصلاة و السلام» فالحصور وصف مذموم إلا في يحيى (عليه السلام) خصوصية له دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و إلا فقد امتنّ سبحانه على الأنبياء عليهم الصلاة و السلام بقوله وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَ جَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَ ذُرِّيَّةً [الرّعد: الآية ٣٨]، قيل و هذا الوصف جاء ليحيى من أثر همة والده زكريا (عليهما السلام)، فإنه لما شهد مريم منقطعة عن الأزواج أحب أن يرزقه اللّه ولدا: مثلها أي منقطعا عن الزوجات، فجاء يحيى (عليه السلام) حصورا، و يؤيد ذلك ما في «أنس الجليل» و كان يحيى (عليه السلام) لا يأتي النساء لأنه لم يكن له ما للرجال، كذا قيل، و هو غير مرضيّ.
و قد تكلم القاضي عياض (رحمه اللّه) في الشفاء على معنى كون يحيى حصورا بما حاصله، أن هذا الذي قيل نقيصة و عيب لا يليق بالأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و إنما معناه أنه معصوم من الذنوب لا يأتيها، فكأنه حصر عنها، و أنه حصر نفسه عن الشهوات قمعا لها، هذا كلامه فليتأمل.