السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦٧ - باب بدء الأذان و مشروعيته
فعن البراء رضي اللّه تعالى عنه قال «دخلت مع أبي بكر الصديق على أهله فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها الحمى، فرأيت أباها يقبل خدها و يقول: كيف أنت يا بنية؟ قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: فتمزق شعري، ففرقتها و مسحت وجهي بشيء من ماء ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب و إني لأنهج حتى سكن نفسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) جالس على سرير في بيتنا و عنده رجال و نساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك، بارك اللّه لك فيهم، و بارك لهم فيك، فوثب الرجال و النساء فخرجوا، و بنى بي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في بيتنا» أي فقد بني بها نهارا.
و في الصحاح: العامة تقول: بنى بأهله و هو خطأ، و إنما يقال بنى على أهله، قال الحافظ ابن حجر: و لا يغني عن الخطأ كثرة استعمال الفصحاء له: أي كاستعمال عائشة له هنا. و في الاستيعاب و أقره، عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها «أن أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه قال: يا رسول اللّه ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ قال: الصداق، فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية و نشا، فبعث بها إلينا و بنى بي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في بيتي هذا الذي أنا فيه، و هو الذي توفي به، و دفن فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» و فيه أن سياق ما تقدم و ما يأتي يدلّ على أنه إنما دخل بها في بيت أبيها بالسنح.
ثم رأيت بعضهم صرح بذلك، فقال «كان دخوله بها عليه الصلاة و السلام بالسنح نهارا» و هذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم هذا كلامه. و في رواية عنها «أتتني أمي و إني لفي أرجوحة مع صواحب لي فصرخت بي، فأتيتها ما أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي حتى وقفت بي على باب الدار و أنا أنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي و رأسي، ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن: على الخير و البركة، و على خير طائر، فأسلمتني إليهنّ و أصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ضحى فأسلمتني إليه و أنا يومئذ بنت تسع سنين» قال بعضهم: دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بعائشة و لعبتها معها.
أي و عنها رضي اللّه تعالى عنها أنها كانت تلعب بالبنات أي اللعب عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كانت تأتيها جويريات يلعبن معها بذلك، و ربما كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يسيرهن إليها: أي يطلبهن لها ليلعبن معها. قالت «و قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من غزوة تبوك أو حنين، فهبت ريح فكشفت ناحية من ستر على صفة في البيت عن بنات لي، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قلت: بناتي، و رأى بينهن فرسا لها جناحان من رقاع، قال:
و ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قلت: فرس. قال: و ما هذا الذي عليه؟ قلت جناحان، قال: جناحان! قلت: أ ما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة فضحك (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه» و فيه هلا أمرها بتغيير ذلك.