السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٢ - غزوة الخندق
أي و ضربت له (صلى اللّه عليه و سلم) قبة من أدم.
قال: و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يعقب فيها بين ثلاثة من نسائه عائشة و أم سلمة و زينب بنت جحش، فتكون عائشة عنده أياما. أي فإنه مكث في عمل الخندق بضع عشرة ليلة، و قيل أربعا و عشرين ليلة، أي و قيل عشرين ليلة، و قيل قريبا من شهر، و قيل شهرا.
قال بعضهم: و كونه قريبا من شهر هو أثبت الأقاويل. و قيل أثبت الأقاويل أنها كانت خمسة عشر يوما، و به جزم النووي (رحمه اللّه) في الروضة، و سائر نسائه (صلى اللّه عليه و سلم) في بني حارثة، و جعل النساء و الذراري في الآطام، و عرض الغلمان و هو يحفر الخندق و كانوا بأجمعهم من بلغ و من لم يبلغ يعملون فيه، فلما التحم الأمر أمر من لم يبلغ خمس عشرة سنة أن يرجع إلى أهله، و أجاز من بلغ خمس عشرة سنة.
فمن أجازه عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنهما، و زيد بن ثابت، و أبو سعيد الخدري، و البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنهم ا ه و شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، فصارت كالحصن.
و في كلام بعضهم: كان أحد جوانب المدينة عورة، و سائر جوانبها مشتبكة بالبنيان و النخيل لا يتمكن العدوّ منه، فاختار ذلك الجانب للخندق.
و استخلف (صلى اللّه عليه و سلم) على المدينة ابن أم مكتوم رضي اللّه عنه. و أرسل سليطا و سفيان بن عوف طليعة للأحزاب فقتلوهما، فأتي بهما رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فدفنهما في قبر واحد، فهما الشهيدان القرينان. و أعطى لواء المهاجرين لزيد بن حارثة و لواء الأنصار لسعد بن عبادة، و بعث مسلمة بن أسلم في مائتي رجل، و زيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة، و يظهرون التكبير تخوفا على الذراري من بني قريظة، أي لما بلغه (صلى اللّه عليه و سلم) أنهم نقضوا ما بينه و بينهم من العهد كما سيأتي، أي و أنهم يريدون الإغارة على المدينة، فإن حيي بن أخطب أرسل إلى قريش أن يأتيه منهم ألف رجل، و إلى غطفان أن يأتيه منهم ألف رجل أخرى ليغيروا على المدينة، و جاء الخبر بذلك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فعظم البلاء، و صار الخوف على الذراري أشدّ من الخوف على أهل الخندق.
و لما نظر المشركون إلى الخندق قالوا: و اللّه إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، و صار المشركون يتناوبون، فيغدو أبو سفيان في أصحابه يوما، و يغدو خالد ابن الوليد يوما، و يغدو عمرو بن العاص يوما، و يغدو جبيرة بن وهب يوما، و يغدو عكرمة بن أبي جهل يوما، و يغدو ضرار بن الخطاب يوما، فلا يزالون يجيلون خيلهم و يفترقون مرة، و يجتمعون أخرى، و يناوشون أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي يقربون منهم، و يقدمون رجالهم فيرمون، و مكثوا على ذلك المدة المتقدمة، و لم يكن بينهم