السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٨٨ - غزوة السويق
من بعض الصحابة. مراده بها ما ذكر من أنه لا يأتي النساء. و يؤيده ما جاء في بعض الروايات: لا يمس النساء و الطيب حتى يغزو محمدا؛ أو أن ذلك قاله أبو سفيان، بناء على أنهم كانوا يغتسلون من الجنابة.
و من ثم ذكر الدميري أن الحكمة في عدم بيان الغسل في آية الوضوء كون الغسل من الجنابة كان معلوما قبل الإسلام بقية من دين إبراهيم و إسماعيل عليهما الصلاة و السلام، فهو من الشرائع القديمة.
و في كلام بعضهم: كانوا في الجاهلية يغتسلون من الجنابة، و يغسلون موتاهم و يكفنونهم، و يصلون عليهم؛ و هو أن يقوم وليه بعد أن يوضع على سريره و يذكر محاسنه و يثني عليه، ثم يقول: عليك رحمة اللّه ثم يدفن.
و ما ذكره الدميري تبع فيه السهيلي حيث قال: إن الغسل من الجنابة كان معمولا به في الجاهلية بقية من دين إبراهيم و إسماعيل، كما بقي فيهم الحج و النكاح، فكان الحدث الأكبر معروفا عندهم، و لذلك قال تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [المائدة: الآية ٦] فلم يحتاجوا إلى تفسيره. و أما الحدث الأصغر فلما لم يكن معروفا عندهم قبل الإسلام لم يقل و إن كنتم محدثين فتوضؤوا، بل قال فَاغْسِلُوا [المائدة: الآية ٦] الآية.
فخرج أبو سفيان في مائتي راكب من قريش ليبر بيمينه حتى نزل بمحل بينه و بين المدينة نحو بريد. ثم أتى لبني النضير: أي و هم حي من يهود خيبر ينسبون إلى هارون أخي موسى بن عمران عليهما الصلاة و السلام تحت الليل، فأتى حيي بن أخطب، أي و هو من رؤساء بني النضير و هو أبو صفية أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له، لأنه خافه، فانصرف عنه و جاء إلى سلام بن مشكم سيد بني النضير أي و صاحب كنزهم: أي المال الذي كانوا يجمعونه و يدخرونه لنوائبهم و ما يعرض لهم أي و كان حليا يعيرونه لأهل مكة، فاستأذن عليه، فأذن له و اجتمع به، ثم خرج إلى أصحابه، فبعث رجالا من قريش فأتوا ناحية من المدينة فحرقوا نخلا منها و وجدوا رجلا من الأنصار. قال في الإمتاع: و هذا الأنصاري هو معبد بن عمرو و حليفا لهم فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين، فعلم بهم الناس، فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في طلبهم في مائتين من المهاجرين و الأنصار: أي و استعمل (صلى اللّه عليه و سلم) على المدينة بشير بن عبد المنذر. و كان خروجه لخمس خلون من ذي الحجة.
و جعل أبو سفيان و أصحابه يخففون للهرب أي لأجله، فجعلوا يلقون جرب السويق أي و هو قمح أو شعير يقلى ثم يطحن ليسفّ، تارة بماء، و تارة بسمن، و تارة بعسل و سمن و هو عامة أزوادهم، فيأخذه المسلمون و لم يلحقوا بهم، و انصرف