السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٠٤ - باب غزوة بدر الكبرى
و حين فصل (صلى اللّه عليه و سلم) من بيوت السقيا قال: اللهم إنهم حفاة فاحملهم، و عراة فاكسهم، و جياع فأشبعهم، و عالة فأغنهم من فضلك، فما رجع أحد منهم يريد أن يركب إلا وجد ظهرا، للرجل البعير و البعيران، و اكتسى من كان عاريا، و أصابوا طعاما من أزوادهم، و أصابوا فداء الأسارى، فاغتنى به كل عائل.
و كان حبيب بن يساف ذا بأس و نجدة و لم يكن أسلم، و لكنه خرج نجدة لقومه من الخزرج طالبا للغنيمة، ففرح المسلمون بخروجه معهم، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «لا يصحبنا إلا من كان على ديننا» أي و في رواية «ارجع فإنا لا نستعين بمشرك» أي و سيأتي في أحداثه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «لا ننتصر بأهل الشرك على أهل الشرك» لما رد حلفاء عبد اللّه بن أبي ابن سلول من يهود «و تكررت من حبيب المراجعة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و في الثالثة قال له: تؤمن باللّه و رسوله؟ قال نعم، فأسلم و قاتل قتالا شديدا».
و في الإمتاع و قدم حبيب بن يساف بالروحاء مسلما. و لا مخالفة، لجواز أن يكون أسلم قبل الروحاء.
«و لما سار رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) صام يوما أو يومين، ثم نادى مناديه، يا معشر العصاة إني مفطر فأفطروا».
و ذلك «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان قال لهم قبل ذلك أفطروا فلم يفطروا، انتهى و سيأتي في فتح مكة أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أمرهم بالفطر فلم يفعل جماعة منهم ذلك، فقال أولئك العصاة، و كانت إبل أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي التي معهم يومئذ سبعين بعيرا، فاعتقبوها كل ثلاثة يعتقبون بعيرا، أي إلا ما كان من حمزة و زيد بن حارثة و أبي كبشة و أنيسة مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإن هؤلاء الأربعة كانوا يعتقبون بعيرا».
أي و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها «أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر».
و في الإمتاع: فكانوا يتعاقبون الإبل الاثنين و الثلاثة و الأربعة، و هذا كلامه «فكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) و مرثد يعتقبون بعيرا» و في لفظ «كان أبو لبابة و علي و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يعتقبون بعيرا» أي و ذلك قبل أن يردّ أبا لبابة للمدينة من الروحاء، و بعد أن رده قام مقامه مرثد، و قيل زيد بن حارثة، و قيل زيد كان مع حمزة أي كما تقدم.
و يجوز أن كان مع حمزة تارة، و مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أخرى، فكان إذا كانت عقبة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قالا له: أي رفيقاه: اركب حتى نمشي معك، فيقول «ما أنتما بأقوى مني على المشي، و ما أنا بأغنى عن الأجر منكما».
«و كان أبو بكر و عمر و عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنهم يعتقبون بعيرا،