السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٠٦ - باب غزوة بدر الكبرى
النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أصحابه و أخبرهم الخبر: أي قال لهم إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب و ذلول أي مسرعين، فما تقولون؟ العير أحب إليكم من النفير؟ فقالوا: بلى، أي قالت ذلك طائفة منهم العير أحب إلينا من لقاء العدو. و في رواية هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له، إنا خرجنا للعير و في رواية «يا رسول اللّه عليك بالعير ودع العدو، فعند ذلك تغير وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» و قد روي ذلك عن أبي أيوب رضي اللّه عنه في سبب نزول قوله تعالى كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) [الأنفال: الآية ٥] و عند ذلك قام أبو بكر فقال و أحسن، ثم قام عمر فقال و أحسن، ثم قام المقداد فقال: يا رسول اللّه امض لما أمرك اللّه فنحن معك، و اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل: أي لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤) [المائدة: الآية ٢٤] اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ما دامت منا عين تطرف، فو اللّه الذي بعثك بالحق نبيا لو سرت بنا إلى برك الغماد- و هي مدينة بالحبشة- لجالدنا: أي ضربنا بالسيوف معك من دونه حتى نبلغه. و في لفظ «نقاتل عن يمينك و عن يسارك. و من بين يديك و من خلفك، قال ابن مسعود:
فرأيت وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يشرق لذلك و سر بذلك».
و في الكشاف «فضحك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خيرا ثم دعا له بخير».
هذا، و في العرائس روي «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد عن البيت إني ذاهب بالهدى، فتأخر عند البيت و استشار أصحابه في ذلك، فقال المقداد بن الأسود أما و اللّه لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [المائدة: الآية ٢٤] و لكنا نقول إنا معكم مقاتلون، و اللّه لنقاتلن عن يمينك و شمالك و من بين يديك، و لو خضت بحرا لخضناه معك، و لو علوت جبلا لعلوناه معك، و لو ذهبت بنا برك الغماد لتابعناك، فلما سمع أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك تابعوه، فأشرق عند ذلك وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و التعدد ممكن لكنه بعيد ثم قال أشيروا عليّ، فقال عمر: يا رسول اللّه إنها قريش و عزها و اللّه ما ذلت منذ عزت، و لا آمنت منذ كفرت و اللّه لتقاتلنك، فتأهب لذلك أهبته و اعدد لذلك عدته، أي ثم استشارهم ثالثا، فقال أشيروا عليّ أيها الناس ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، و ذلك لأنهم عدد الناس: أي أكثرهم عددا و من ثم قيل: و إنما كرر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الاستشارة: أي في ذلك المجلس ليعرف حال الأنصار، فإنه تخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه أي جاءه على حين غفلة بالمدينة من عدوه و أن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم عملا بظاهر قولهم له (صلى اللّه عليه و سلم) حين بايعوه عند العقبة «يا رسول اللّه إناء براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إليها فأنت في ذمتنا، نمنعك بما نمنع به أبناءنا و نساءنا، و من ثم قال له سعد بن معاذ سيد الأوس. و قيل سعد بن عبادة سيد