السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٨ - غزوة ذات الرقاع
و قد خاف بعضهم بعضا: أي خاف المسلمون أن تغير المشركون عليهم و هم غارون أي غافلون حتى صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالناس صلاة الخوف، و كانت أول صلاة للخوف صلاها.
قال و في رواية «حانت صلاة الظهر فصلاها (صلى اللّه عليه و سلم) بأصحابه، فهمّ بهم المشركون، فقال قائلهم: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه هي أحبّ إليهم من أبنائهم، أي و هي صلاة العصر، فنزل جبريل (عليه السلام) على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره، فصلى صلاة العصر صلاة الخوف» ا ه.
أقول: سيأتي هذا كله بعينه في غزوة الحديبية التي هي صلاة الخوف بعسفان.
و لا مانع من تعدد ذلك. و يحتمل أنه من الاشتباه على بعض الرواة، و اللّه أعلم.
و كان العدوّ في غير جهة القبلة، ففرقهم فرقتين: فرقة وقفت في وجه العدوّ، و فرقة صلى بها ركعة، ثم عند قيامة للثانية فارقته و أتمت بقية صلاتها، ثم جاءت و وقفت في وجه العدوّ، و جاءت تلك الفرقة التي كانت في وجه العدوّ و اقتدت به في ثانيته فصلى بها ركعة، ثم قامت و هو في جلوس التشهد، و أتمت بقية صلاتها و لحقته في جلوس التشهد و سلم بها. و هذه الكيفية في ذات الرقاع رواها الشيخان، و نزل بها القرآن، و هو قوله تعالى وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [النساء: الآية ١٠٢] الآية.
أي و في كلام بعضهم: فصلى بهم النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) صلاة الخوف، صلى بطائفة ركعتين، و بالأخرى أخريين. و سيأتي أن هذه صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) ببطن نخل و في الخصائص الصغرى: و خص (صلى اللّه عليه و سلم) بصلاة الخوف فلم تشرع لأحد من الأمم قبلنا، و بصلاة شدة الخوف عند التحام القتال.
أي و في هذه الغزوة نزل (صلى اللّه عليه و سلم) ليلا، و كانت تلك الليلة ذات ريح. و كان نزوله (صلى اللّه عليه و سلم) في شعب استقبله فقال: من رجل يكلؤنا: أي يحفظنا هذه الليلة، فقام عباد بن بشر رضي اللّه تعالى عنه و عمار بن ياسر رضي اللّه تعالى عنهما، فقالا: نحن يا رسول اللّه نكلؤكم، فجلسا على فم الشعب، فقال عباد بن بشر لعمار بن ياسر: أنا أكفيك أول الليل و تكفيني آخره، فنام عمار رضي اللّه عنه و قام عباد رضي اللّه عنه يصلي، و كان زوج بعض النسوة التي أصابهنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) غائبا، فلما جاء أخبر الخبر فتتبع الجيش، و حلف لا ينثني حتى يصيب محمدا أو يهريق في أصحاب محمد دما، فلما رأى سواد عباد قال: هذا ربيئة القوم، ففوّق سهما فوضعه فيه، فانتزعه عباد فرماه بآخر فوضعه فيه فانتزعه، فرماه بآخر فانتزعه، فلما غلبه الدم قال لعمار اجلس فقد أتيت، فلما رأى ذلك الرجل عمار أجلس علم أنه قد نذر به، فهرب، فقال عمار: أي أخي ما منعك أن توقظني له في أول سهم رمي به، فقال: