السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٠ - غزوة ذات الرقاع
بواد كثير العضاة: أي الأشجار العظيمة التي لها شوك، و تفرق الناس في العضاة: أي الأشجار يستظلون بالشجر، و نزل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تحت ظل شجرة أي ظليلة. قال جابر رضي اللّه عنه: تركناها للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فعلق (صلى اللّه عليه و سلم) سيفه فيها، فنمنا نومة فإذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يدعونا، فجئنا إليه فوجدنا عنده أعرابيا جالسا، فقال: إن هذا قد اخترط سيفي و أنا نائم، فاستيقظت و هو في يده مصلتا: أي مسلولا، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت اللّه، قال ذلك ثلاث مرات و لم يعاقبه (صلى اللّه عليه و سلم) ا ه.
و هذه الرواية مع ما قبلها يقتضي سياقهما أنهما واقعتان لا واقعة واحدة. و يبعد أن يكون ذلك الأعرابي هو غورث صاحب الواقعة الأولى، فيكون تعدد منه هذا الفعل مرتين، أي و أنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة: الآية ١١] و تقدم أن سبب نزولها إرادة إلقاء الحجر عليه من بعض أهل بني النضير لعنهم اللّه، و تقدم أنه لا مانع من تعدد النزول لتعدد الأسباب.
و في الشفاء: قيل كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يخاف قريشا، فلما نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ [المائدة: الآية ١١] الآية، استلقى ثم قال: من شاء فليخذلني.
أي و فيه أن هذا لا يحسن إلا عند نزول آية وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:
الآية ٦٧] إلا أن يقال: هو (صلى اللّه عليه و سلم) علم من ذلك أن اللّه مانع له ممن يريده بسوء و إن كان يجوز أن يمنعه من شخص دون آخر فليتأمل.
و إنما لم يعاقب (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك الأعرابي حرصا على استئلاف قلوب الكفار ليدخلوا في الإسلام.
و كانت مدة غيبته (صلى اللّه عليه و سلم) خمس عشرة ليلة. و بعث (صلى اللّه عليه و سلم) جعال بن سراقة إلى المدينة مبشرا بسلامته و سلامة المسلمين، أي و كان رضي اللّه عنه من أهل الصفة، و هو الذي تمثل به إبليس لعنه اللّه يوم أحد حين نادى إن محمدا قد قتل كما تقدم.
و أبطأ جمل جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما فنخسه (صلى اللّه عليه و سلم). و في لفظ أنه حجنه بمحجنه فانطلق متقدما بين يدين الركب. و في رواية: فلقد رأيتني أكفه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حياء منه لا يسبقه: أي و هو ينازعني خطامه مع أني كنت أرجو أن يستاق معنا. ثم قال له (صلى اللّه عليه و سلم): أ تبيعنيه؟ فابتاعه منه: أي بأوقية، و قيل بأربع أواق و قيل بخمس أواق، و قيل بخمسة دنانير، و قيل بأربعة دنانير بعد أن أعطاه فيه أولا درهما ممازحا له، فقال له جابر رضي اللّه عنه: تبيعني يا رسول اللّه؟ و في رواية: لا زال (صلى اللّه عليه و سلم) يزيده درهما درهما، فيقول جابر: آخذته بكذا و اللّه يغفر لك يا رسول اللّه، قال بعضهم: كأنه (صلى اللّه عليه و سلم) أراد بإعطائه درهما درهما أن يكثر استغفاره له، و قال له: لك