السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٢ - غزوة ذات الرقاع
و فيها أيضا: جاء رجل بفرخ طائر فأقبل أحد أبويه حتى طرح نفسه بين يدي الذي أخذ فرخه، فعجب الناس من ذلك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أ تعجبون من هذا الطائر؟ أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه، و اللّه لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه.
و فيها أيضا: جيء له (صلى اللّه عليه و سلم) بثلاث بيضات من بيض النعام، فقال لجابر دونك يا جابر فاعمل هذه البيضات، قال جابر رضي اللّه عنه: فعملتهنّ، ثم جئت بهنّ في قصعة، فجعلنا نطلب خبزا فلم نجد، فجعل (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه يأكلون من ذلك البيض بغير خبز حتى انتهى كل إلى حاجته: أي إلى الشبع؛ و البيض في القصعة كما هو.
و فيها أيضا: جاء جمل يرفل: أي حتى وقف عنده (صلى اللّه عليه و سلم) و أرغى، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أ تدرون ما قال هذا الجمل؟ هذا جمل يستعيذ بي على سيده يزعم أنه كان يحرث عليه منذ سنين و أنه أراد أن ينحره، اذهب يا جابر إلى صاحبه فأت به، قال جابر رضي اللّه عنه: فقلت لا أعرفه، قال: إنه سيدلك عليه. قال جابر:
فخرج بين يدي حتى وقف على صاحبه، فجئته به، فكلمه (صلى اللّه عليه و سلم) في شأن الجمل ا ه.
و عن عبد اللّه بن جعفر رضي اللّه عنهما أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) دخل حائط رجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) حنّ و ذرفت عيناه، فأتاه النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فمسح عليه فسكن. ثم قال: من رب هذا الجمل، فجاء فتى من الأنصار، فقال: هذا لي يا رسول اللّه، فقال: أ لا تتقي اللّه عز و جل في هذه البهيمة التي ملكك اللّه، فإنه شكا إليّ أنك تجيعه و تدئبه.
و في رواية: كنا جلوسا مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) إذا بعير أقبل حتى وقف على هامة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فرغا، فقال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أيها البعير اسكن فإن تك صادقا فلك صدقك، و إن تك كاذبا فعليك كذبك، إن اللّه تعالى قد أمن عائذنا و لن يخيب لائذنا، فقلنا: يا رسول اللّه، ما يقول هذا البعير؟ قال: يريد أهله نحره و أكل لحمه، فهرب منهم و استغاث بنبيكم، فبينما نحن كذلك إذا أقبل أصحابه يتعاودون، فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلاذ بها، فقالوا: يا رسول اللّه هذا بعيرنا هرب منذ ثلاثة أيام فلم نجده إلا بين يديك. فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أما إنه يشكو، فقالوا: يا رسول اللّه ما يقول؟ قال: يقول إنه ربي فيكم سنين و كنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلأ، فإذا كان الشتاء حملتم عليه إلى موضع الدفء، فلما كبر استفحلتموه فرزقكم اللّه إبلا سليمة. فلما أدركته هذه السنة الجدبة هممتم بنحره و أكل لحمه، فقالوا: و اللّه يا رسول اللّه قد كان ذلك، فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما هذا جزاء المملوك الصالح من مواليه، فقالوا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إنا لا نتعبه و لا ننحره، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): كذبتم، قد استغاث بكم فلم تغيثوه، و أنا أولى بالرحمة