السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٨٥ - غزوة بني المصطلق
و يرد ذلك أيضا ما سيأتي أنه خرج هو و أخوه عمارة ليرد أختهما أم كلثوم عن الهجرة و كانت هجرتها في الهدنة: هدنة الحديبية.
و الوليد هذا كان أخا عثمان بن عفان لأمه و ولاه الكوفة: أي و عزل عنها سعد بن أبي وقاص، فلما قدم الوليد الكوفة على سعد رضي اللّه عنه قال له: و اللّه ما أدري أصرت كيسا بعدنا أم حمقنا بعدك، فقال له: لا تجزعنّ أبا إسحاق و إنما هو الملك يتغداه قوم و يتعشاه آخرون، فقال سعد: أراكم- يعني بني أمية- ستجعلونها و اللّه- يعني الخلافة- ملكا، و عند ذلك قال الناس: بئسما فعل عثمان رضي اللّه عنه، عزل سعدا الهين اللين الورع المستجاب الدعوة، و ولى أخاه الخائن الفاسق كما تقدم.
و لقي الوليد ابن مسعود رضي اللّه عنه فقال له: ما جاء بك؟ فقال: جئت أميرا. فقال له ابن مسعود: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس؟ و كان الوليد شاعرا ظريفا حليما شجاعا كريما، شرب الخمر ليلة من أول الليل إلى الفجر، فلما أذن المؤذن لصلاة الفجر خرج إلى المسجد و صلى بأهل الكوفة الصبح أربع ركعات، و صار يقول في ركوعه و سجوده اشرب و اسقني، ثم قاء في المحراب، ثم سلم و قال: هل أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه لا زادك اللّه خيرا و لا من بعثك إلينا، و أخذ فردة خفه و ضرب بها وجه الوليد، و حصبه الناس، فدخل القصر و الحصباء تأخذه و هو مترنح، و إلى ذلك يشير الحطيئة بقوله:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربه* * * أن الوليد أحق بالعذر
نادى و قد تمت صلاتهم* * * أ أزيدكم سكرا و ما يدري
و لما شهدوا عليه بشرب الخمر عند عثمان بن عفان رضي اللّه عنه استقدمه، و أمر به فجلد: أي أمر عليا (كرم اللّه وجهه) أن يقيم عليه الحدّ فجلده. و قيل: فقال عليّ (كرم اللّه وجهه) لابن أخيه عبد اللّه بن جعفر رضي اللّه عنهما: أقم عليه الحدّ أي بعد أن أمر ابنه الحسن رضي اللّه عنه بذلك فامتنع، فأخذ عبد اللّه رضي اللّه عنه السوط و جلده و عليّ (كرم اللّه وجهه) يعدّ عليه حتى بلغ أربعين. فقال لعبد اللّه:
أمسك، جلد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الخمر أربعين و جلد أبو بكر رضي اللّه عنه أربعين، و جلد عمر رضي اللّه عنه ثمانين، و كل سنة. و هذا: أي ما فعلته من جلده أربعين أحبّ إليّ من جلد عمر ثمانين.
هذا، و في البخاري أن عبد اللّه جلده ثمانين. و أجيب عنه بأن السوط كان له رأسان و حينئذ يكون قوله «و كل سنة» أي طريقة، فأربعون طريقته (صلى اللّه عليه و سلم). و طريقة الصديق رضي اللّه عنه، و الثمانون طريقة عمر رضي اللّه عنه رآها اجتهادا مع استشارته