السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٩ - باب عرض رسول اللّه
فقام سعد فاغتسل و طهر ثوبه ثم شهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه، و معه: أي مع ذلك النادي أسيد بن حضير. فلما رآه قومه مقبلا، قالوا: نحلف باللّه لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا سيدنا، و أفضلنا رأيا، و أيمننا و أبركنا نقيبة أي نفسا و أمرا؛ قال: فإن كلام رجالكم و نسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا باللّه و رسوله، قال: فو اللّه ما أمسي في دار: أي قبيلة بني عبد الأشهل رجل و لا امرأة إلا مسلما و مسلمة فأسلموا في يوم واحد كلهم، و كان ذلك بعد العقبة الأولى و قبل العقبة الثانية، إلا ما كان من الأصيرم و هو عمرو بن ثابت من بني عبد الأشهل فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم و استشهد، و لم يسجد للّه سجدة، و أخبره (صلى اللّه عليه و سلم) أنه من أهل الجنة.
أي و في كلام ابن الجوزي: أول دار أي قبيلة أسلمت من دور الأنصار دار بني عبد الأشهل، ثم رجع مصعب إلى دار أسعد بن زرارة رضي اللّه تعالى عنه فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور من الأنصار إلا فيها رجال و نساء مسلمون إلا ما كان من سكان عوالي المدينة: أي قراها من جهة نجد، قال:
و في كلام بعضهم إلا جماعة من الأوس بن حارثة، و ذلك أنه كان فيهم أبو قيس و هو صيفي بن الأسلت، و كان شاعرا لهم يسمعون منه و يطيعونه، لأنه كان قوّالا بالحق معظما؛ و قد ترهب في الجاهلية، و لبس المسوح، و اغتسل من الجنابة، و دخل بيتا فاتخذه مسجدا و قال: أعبد إله إبراهيم لا يدخل فيه حائض و لا جنب، فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة و مضى بدر و أحد و الخندق فأسلم و حسن إسلامه و هو شيخ كبير ا ه أي سبب تأخر إسلامه ما ذكره بعضهم أنه لما أراد الإسلام عند قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة لقيه أبي ابن سلول و كلمه بما أغضبه و نفره عن الإسلام و قال أبو قيس: لا أتبعه إلا آخر الناس، فلما احتضر أرسل إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن قل: لا إله إلا اللّه أشفع لك بها، فقالها و همّ ابنه أن ينكح امرأة أبيه، أي على ما هو عادة الجاهلية، أي و كان ذلك في المدينة حتى في أول الإسلام أنّ أكبر أولاد الرجل يخلفه على زوجته بعد موته فنزل التحريم: أي قوله تعالى وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ [النساء: الآية ٢٢] و تقدم الكلام على سبب نزول هذه الآية مستوفى.
ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة مع من خرج من المسلمين من الأنصار إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، أي و أخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بمن أسلم، فسرّ بذلك.
و عن كعب بن مالك قال: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين و معنا