السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٥٣ - غزوة بني قريظة
أو هو النحل قرصها يجلب* * * الحتف إليها و ماله إنكاء
أي و لما انقضى شأن بني قريظة، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا و لكنكم تغزونهم» فكان كذلك و تقدم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال ذلك بعد انقضاء الأحزاب. و انفجر جرح سعد بن معاذ، أي الذي في يده و سال الدم و احتضنه (صلى اللّه عليه و سلم) فجعلت الدماء تسيل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فمات منه و حمل إلى منزله و لم يعلم (صلى اللّه عليه و سلم) بموته، فأتى جبريل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من الليل معتجرا بعمامة من استبرق، فقال: يا محمد من هذا العبد الصالح، و في لفظ: من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء و اهتز له العرش؟ و في رواية عرش الرحمن: أي فتحت أبواب السماء لصعود روحه، و اهتز العرش: أي تحرك فرحا بذلك. و قال النووي: اهتزاز العرش هو فرح الملائكة بقدوم روحه.
و فيه أن هذا لا يحتاج إليه إلا لو كان تحرك العرش مستحيلا، فقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سريعا يجر ثوبه إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات.
و عن سلمة بن أسلم بن حريش رضي اللّه عنه. قال «دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و ما في البيت أحد إلا سعدا مسجى، فرأيته يتخطى و أومأ (صلى اللّه عليه و سلم) إليّ قف، فوقفت و رددت من ورائي و جلس (صلى اللّه عليه و سلم) ساعة، ثم خرج فقلت: يا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما رأيت أحدا و رأيتك تتخطى، فقال: ما قدرت على مجلس حتى قبض لي ملك من الملائكة أحد جناحيه».
أقول: قد وقع له (صلى اللّه عليه و سلم) نظير ذلك عند تشييعه لجنازة ثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري رضي اللّه عنه، فإنه صار يمشي على أطراف أنامله، فلما دفن قيل: يا رسول اللّه رأيناك تمشي على أطراف أناملك، قال: و الذي بعثني بالحق ما قدرت أن أضع قدمي من كثرة ما نزل من الملائكة لتشييعه، و قصته مذكورة في السيرة الشامية.
و لما حملوا نعش سعد رضي اللّه عنه، و كان جسيما و جدوا له خفة؛ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن له حملة غيركم؛ أي من الملائكة؛ لقد نزل سبعون ألف ملك شهدوا سعدا: أي جنازته؛ و منهم جملة ما وطئوا الأرض إلا يومهم هذا.
و عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه. قال: كنت ممن حفر لسعد رضي اللّه عنه قبره؛ فكان يفوح علينا المسك؛ كلما حفرنا قبره من تراب.
و جاء «لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها سعد ضم ضمة؛ ثم فرج اللّه عنه» و عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما؛ قال «لما دفن سعد رضي اللّه عنه و نحن مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) سبح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فسبح الناس معه؛ ثم كبر فكبر الناس معه؛ فقالوا: يا رسول اللّه لم سبحت؛ أي و كبرت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد