السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٤ - باب غزوة بدر الكبرى
لأن اللّه يحب الملحين في الدعاء، و إنما قال أبو بكر ما ذكر لأنه شق عليه تعب النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في إلحاحه بالدعاء، لأنه رضي اللّه تعالى عنه رقيق القلب شديد الإشفاق على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم).
و قيل لأن الصديق كان في تلك الساعة في مقام الرجاء و النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كان في مقام الخوف، لأن اللّه يفعل ما يشاء، و كلا المقامين سواء في الفضل ذكره السهيلي.
و حين رأى المسلمون القتال قد نشب عجوا بالدعاء إلى اللّه تعالى، فأنزل اللّه تعالى عند ذلك إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) [الأنفال: الآية ٩] أي متتابعين. و قيل ردفا لكم و مددا لكم. و قيل وراء كل ملك ملك آخر.
و يوافق ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أمدّ اللّه نبيه يوم بدر بألف من الملائكة فكان جبريل في خمسمائة و ميكائيل في خمسمائة، فأمده اللّه تعالى بالملائكة ألف مع جبريل و ألف مع ميكائيل؟» و جاء «أمدّه اللّه بثلاثة آلاف: ألف مع جبريل، و ألف مع ميكائيل و ألف مع إسرافيل» و هذا رواه البيهقي في الدلائل عن علي بإسناد فيه ضعف.
و قيل وعدهم اللّه تعالى أن يمدهم بألف ثم زيدوا في الوعد بألفين، ثم زيدوا في الوعد بألفين أيضا.
و قيل أمدهم اللّه تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ثم أكملهم بخمسة آلاف، قال اللّه تعالى إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) [آل عمران: الآية ١٢٤] أي ألف من جبريل، و ألف مع ميكائيل، و ألف مع إسرافيل بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) [آل عمران: الآية ١٢٥] فإن ذلك كان يوم يدر على ما عليه الأكثر، و قيل يوم أحد كان الإمداد فيه بذلك: أي بثلاثة آلاف، ثم وقع الوعد بإكمالهم خمسة آلاف معلقا على شرط، و هو التقوى، و الصبر عن حوز الغنائم فلم يصبروا ففات الإمداد بما زاد على الثلاثة آلاف.
و هذا الثاني هو الذي في النهر لأبي حيان، كان المدد يوم بدر بألف من الملائكة، و يوم أحد بثلاثة آلاف، ثم بخمسة لو صبروا عن أخذ الغنائم فلم يصبروا، فلم تنزل، هذا كلامه، و هو واضح لأن عدم صبرهم عن أخذ الغنائم و عدم امتثال أمره إنما كان في أحد لا في بدر.
و روى البيهقي عن حكيم بن حزام رضي اللّه عنه أن يوم بدر وقع نمل من السماء قد سدّ الأفق، فإذا الوادي يسيل نملا، أي نازلا من السماء فوقع في نفسي أن هذا شيء أيد به (صلى اللّه عليه و سلم) و هي الملائكة.