السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٥ - باب غزوة بدر الكبرى
أي و روي بسند حسن عن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم و الناس يقتتلون مثل البجاد الأسود مبثوث حتى امتلأ الوادي، فلم أشك أنها الملائكة، فلم يكن إلا هزيمة القوم. و البجاد: كساء مخطط من أكسية الأعراب، و سيأتي وقوع مثل ذلك في حنين.
قال: و إنما كانت الملائكة شركاء لهم في بعض الفعل ليكون الفعل منسوبا للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) و لأصحابه، و إلا فجبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه كما فعل بمدائن قوم لوط، و أهلك قوم صالح و ثمود بصيحة واحدة، و ليهابهم العدّ و بعد ذلك، حيث يعلمون أن الملائكة تقاتل معهم.
و بهذا يرد ما قيل لم تقاتل الملائكة يوم بدر، و إنما كانوا يكثرون السواد، و إلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا كلهم.
و جاء «لو لا أن اللّه حال بيننا و بين الملائكة التي نزلت يوم بدر لمات أهل الأرض خوفا من شدة صعقاتهم و ارتفاع أصواتهم».
و جاء في حديث مرسل «ما رئي الشيطان أحقر و لا أدحر و لا أصغر من يوم عرفة إلا ما رئي يوم بدر» أي و كذا سائر مواسم المغفرة و العتق من النار كأيام رمضان سيما ليلة القدر.
و جاء «إن إبليس جاء في صورة سراقة بن مالك المدلجي الكناني في جند من الشياطين» أي مشركي الجنّ في صور رجال من بني مدلج من بني كنانة معه رايته، و قال للمشركين لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ [الأنفال: ٤٨] ا ه أي كما قال لهم ذلك عند ابتداء خروجهم و قد خافوا من بني كنانة قوم سراقة، و قد تقدم أنه كان وحده. و لا منافاة لجواز أن يكون جنده لحقوا به بعد «قال: فلما رأى جبريل و الملائكة» و في رواية: و أقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه و كانت يده في يد رجل من المشركين أي و هو الحارث بن هشام أخو أبي جهل انتزع يده من يد الرجل، ثم نكص على عقبيه و تبعه جنده، فقال له الرجل: يا سراقة أ تزعم أنك لنا جار؟ فقال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ [الأنفال: الآية ٤٨] و تشبث به الحارث بن هشام رضي اللّه تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك و قال له: و اللّه لا أرى إلا خفافيش يثرب، فضربه إبليس في صدره فسقط، و عند ذلك قال أبو جهل: يا معشر الناس لا يهمنكم خذلان سراقة، فإنه كان على ميعاد من محمد، و لا يهمنكم قتل عتبة و شيبة أي و الوليد فإنهم قد عجلوا، و اللات و العزى لا نرجع حتى نقرن محمدا و أصحابه بالجبال، و صار يقول: لا تقتلوهم خذوهم باليد.
و ذكر السهيلي أنه يروى أن من بقي من قريش و هرب إلى مكة وجد سراقة بمكة، فقالوا له: يا سراقة خرقت الصف، و أوقعت فينا الهزيمة، فقال: و اللّه ما