السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٢ - باب بدء الأذان و مشروعيته
استوى على العرش، قالوا: قد أصبت لو تممت ثم استراح» أي لو قلت هذا اللفظ، لأنهم يقولون إنه استراح جل و عز يوم السبت، و من ثم يسمونه يوم الراحة، فأنزل اللّه تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ ما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) [ق: الآية ٣٨] أي تعب فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ [طه: الآية ١٣٠].
و في رواية «خلق اللّه الأرض يوم الأحد و الاثنين، و خلق الجبال يوم الثلاثاء، و خلق الأنهار و الأشجار يوم الأربعاء، و خلق الطير و الوحش و السباع و الهوام و الآفة يوم الخميس، و خلق الإنسان يوم الجمعة، و فرغ من الخلق يوم السبت».
و هذا يشكل على ما تقدم أن مبدأ الخلق يوم السبت حتى يكون آخر الأسبوع يوم الجمعة، و هو الراجح على ما تقدم.
و قد قيل في سبب نزول قوله تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ [آل عمران: الآية ١٨] إلى قوله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران:
الآية ١٩] أن حبرين من أراضي الشام لم يعلما ببعثته (صلى اللّه عليه و سلم)، فقدما المدينة، فقال أحدهما للآخر: ما أشبه هذه بمدينة النبي الخارج في آخر الزمان، فأخبرا بمهاجرة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و وجوده في تلك المدينة، فلما رأياه قالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: نسألك مسألة إن أخبرتنا بها آمنا، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): اسألاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم الشهادة في كتاب اللّه تعالى، فنزلت هذه الآية، فتلاها (صلى اللّه عليه و سلم) عليهما فآمنا».
قال: و عن قتادة رضي اللّه تعالى عنه «أن رهطا من اليهود جاءوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقالوا: يا محمد هذا الذي خلق الجن و الإنس من خلقه» و في لفظ «خلق اللّه الملائكة من نور الحجاب، و آدم من حمأ مسنون، و إبليس من لهب النار، و السماء من دخان، و الأرض من زبد الماء، فأخبرنا عن ربك من أي شيء خلق؟ فغضب (صلى اللّه عليه و سلم) حتى انتقع لونه، فجاء جبريل عليه الصلاة و السلام، و قال له:
خفض عليك، فأنزل اللّه تعالى عليه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) [الإخلاص: الآية ١] السورة» أي متوحد في صفات الجلال و الكمال، منزه عن الجسمية، واجب الوجود لذاته:
أي اقتضت ذاته وجوده، مستغن عن غيره، و كل ما عداه محتاج إليه ا ه.
أقول: و نزول جبريل بذلك ربما يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) توقف و لم يدر ما يقول كما وقع له لما سأله (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه بن سلّام رضي اللّه تعالى عنه، و قال له صف ربك كما سيأتي.
ثم رأيت عن الشيخين و غيرهما أن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه ذكر في سبب نزول هذه السورة غير ما ذكر، و لعله ما سيأتي في قصة إسلام عبد اللّه بن سلام، و لا مانع من تكرر النزول لأسباب مختلفة.
ثم رأيته في الإتقان ذكر أن سورة الإخلاص تكرر نزولها، فنزلت جوابا