السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦٢ - باب غزوة بدر الكبرى
يبكيان، فقال يا رسول اللّه: ما يبكيكما؟» و في لفظ «ما ذا يبكيك أنت و صاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت و إلا تباكيت لبكائكما. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن كاد لمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، لو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب».
و في مسلم و الترمذي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لعمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه: أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء» أي للعذاب الذي كاد أن يقع على أصحابك لأجل أخذهم الفداء: أي إرادة أخذه «لقد عرض عليّ عقابهم أدنى» أي أقرب «من هذه الشجرة» لشجرة قريبة منه (صلى اللّه عليه و سلم) «و أنزل اللّه تعالى ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) [الأنفال: الآية ٦٧، ٦٨] الآيات».
أقول: قال بعضهم: في هذه الآيات دليل على أنه يجوز الاجتهاد للأنبياء، لأن العتاب الذي في الآيات لا يكون فيما صدر عن وحي و لا يكون فيما كان صوابا، و إذا أخطئوا لا يتركون عليه بل ينبهون على الصواب.
و أجاب ابن السبكي (رحمه اللّه) بأن ذلك من خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي ما كان هذا لنبي غيرك و لا يخفى عليك ما فيه.
و في كلام بعضهم ما يقتضي أن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام غير نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) يجوز أن يقروا على الخطأ لأن من بعد من يخطئ منهم يبين خطأه بخلاف نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) لا نبي بعده يبين خطأه فلا يقر على الخطأ. و فيه أن بعد نبينا عليه الصلاة و السلام عيسى عليه الصلاة و السلام أنه يوحى إليه.
و نظر بعضهم في وقوع الخطأ من الأنبياء و استمرارهم عليه بأنه غير لائق بمنصب النبوة، لأن وجود من يستدرك الخطأ لا يدفع مقتضيه.
و فيه جواز وقوع الخطأ و العمل به قبل مجيء الاستدراك، و تقدم جواز الاجتهاد له مطلقا لا في خصوص الحرب، و استثناء عمر ربما يفيد أن جميع الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم وافقوا أبا بكر على أخذ الفداء، و خالفوا عمر مع أنه تقدم قريبا أن سعد بن معاذ كره ذلك قبل عمر، فقد تقدم أن المسلمين لما وضعوا أيديهم يأسرون رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى سعد بن معاذ فوجد في وجهه الكراهية لما يصنع القوم.
فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم، قال أجل و اللّه يا رسول اللّه كانت أول وقعة أوقعها اللّه تعالى بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال، و من ثم قال «لو نزل عذاب لم يفلت منه إلا ابن الخطاب و سعد بن معاذ» كما سيأتي. و فيه أن ابن رواحة كرهه بل أشار بإحراقهم بالنار.