السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٢ - باب غزوة بدر الكبرى
قال يومئذ «مهجع سيد الشهداء» أي من هذه الأمة، فلا ينافي ما جاء «أن سيد الشهداء يوم القيامة يحيى بن زكريا، و قائدهم إلى الجنة و ذابح الموت يوم القيامة، يضجعه و يذبحه بشفرة في يده و الناس ينظرون إليه» لكن جاء «سيد الشهداء هابيل» إلا أن تجعل الأولية إضافية، فيراد أول أولاد آدم لصلبه.
قيل و كون مهجع أول قتيل من المسلمين لا ينافي كون أول قتيل من المسلمين عمير بن الحمام، لأن ذاك أول قتيل من المهاجرين، و عمير أول قتيل من الأنصار، و لا ينافي ذلك أن أول قتيل من الأنصار حارثة بن قيس: أي قتل بسهم لم يدر راميه.
ففي البخاري عن حميد، قال: سمعت أنسا يقول «أصيب حارثة يوم بدر و هو غلام، قتل بإرسال سهم إليه»، أي فإنه أصابه سهم غرب: أي لا يعرف راميه، و هو يشرب من الحوض.
و في كلام ابن إسحاق: أول من قتل من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب، و من بعده حارثة بن سراقة. و قد جاءت أم حارثة و هي عمة أنس بن مالك إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقالت «يا رسول اللّه حدّثني عن حارثة، فإن يكن في الجنة لم أبك عليه و لكن أحزن، و إن يكن في النار بكيت ما عشت في دار الدنيا». و في رواية «إن يكن في الجنة صبرت، و إن يكن غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، فقال: يا أم حارثة إنها ليست بجنة و لكنها جنات، و حارثة في الفردوس الأعلى، فرجعت و هي تضحك و تقول بخ بخ لك يا حارثة» و هذا قد يخالف قول ابن القيم كالزمخشري أن الجنة التي هي دار الثواب واحدة بالذات كثيرة بالأسماء و الصفات، و هذا الاسم الذي هو الجنة يجمعها من أسمائها: جنة عدن، و الفردوس، و المأوى، و دار السلام، و دار الخلد، و دار المقامة و دار النعيم، و مقعد صدق، و غير ذلك مما يزيد على عشرين اسما.
أي و عن الواقدي أنه بلغ أمه و أخته و هما بالمدينة مقتله، فقالت أمه: و اللّه لا أبكي عليه حتى يقدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأسأله، فإن كان في الجنة لم أبك عليه و في رواية: «أصبر و أحتسب، و إن كان ابني في النار بكيته».
و في رواية: «ترى ما أصنع، فلما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من بدر جاءت أمه فقالت: يا رسول اللّه قد عرفت موقع حارثة من قلبي فأردت أن أبكي عليه، ثم قلت لا أفعل حتى أسأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فإن كان في الجنة لم أبك عليه، و إن كان في النار بكيته، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): هبلت» و في رواية «ويحك أو هبلت، أجنة واحدة إنها جنان كثيرة، و الذي نفسي بيده إنه لفي الفردوس الأعلى و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بإناء من ماء فغمس يده فيه و مضمض فاه ثم ناوله أم حارثة فشربت، ثم ناولت ابنتها فشربت