السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٨٨ - غزوة بني المصطلق
و قد يقال: لا مخالفة بين كونه أخذ العصا منه و هو يخطب و بين كونه أخذها حين أخرج من المسجد، لأنه يجوز أن يكون أخرج من المسجد في أثناء الخطبة و أخذت العصا منه حينئذ.
و عند تخاصم الرجلين غضب عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول، و كان عنده رهط من قومه من الخزرج من المنافقين، و كان عندهم زيد بن أرقم رضي اللّه تعالى عنه و هو غلام حديث السن، فقال عبد اللّه بن أبيّ لعنه اللّه: و اللّه ما رأيت كاليوم مذلة، أو قد فعلوها؟ نافرونا، أي غلبونا و كاثرونا في بلادنا، أي و أنكرونا ملتنا، و اللّه ما أعدّنا:
أي أظننا يعني معاشر الأنصار و قريش. و في رواية: و جلابيب قريش، هؤلاء يعني معاشر المهاجرين إلا كما قال الأول، أي الأقدمون في أمثالهم: سمن كلبك يأكلك، أي و يقولون: أجع كلبك يتبعك، و اللّه لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما سمعت أما و اللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني بالأعز نفسه، و بالأذل النبي (صلى اللّه عليه و سلم).
و في الاستيعاب أن عبد اللّه بن أبيّ قال ذلك في غزوة تبوك، هذا كلامه، و فيه نظر ظاهر.
و الجلابيب: جمع جلبيب ما يجلب من بلد إلى غيره يعني أغراب. و قيل شبهوا بالجلابيب التي هي الأزر الغلاظ القليلة القيمة.
ثم أقبل على من حضر من قومه. فقال هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، و قاسمتموهم أموالكم، أما و اللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، أي ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونه، يعني النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فأيتمتم أولادكم، و قللتم و كثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عند محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فسمع ذلك زيد بن أرقم رضي اللّه عنه على ما هو الصحيح، و قيل سفيان بن تيم، فمشى به إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره الخبر و عنده عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، أي و نفر من المهاجرين و الأنصار.
و في البخاري عن زيد بن أرقم رضي اللّه عنه «فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)؛ فدعاني فحدثته، فكره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك و تغير وجهه، و قال له:
يا غلام لعلك غضبت عليه، قال: و اللّه يا رسول اللّه لقد سمعته منه، قال: لعله أخطأ سمعك، و لامه من حضر من الأنصار، و قالوا: عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل».
أي و في البخاري «فكذبني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): و أصابني همّ لم يصبني مثله قط، و جلست في البيت» أي الخباء «فقال لي عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)