السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٩٤ - باب تحويل القبلة
و عن سهل بن سعد رضي اللّه تعالى عنه «لما كثر الناس و صار يجيء القوم و لا يكادون يسمعون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الخطبة، قال الناس: يا رسول اللّه، قد كثر الناس و كثير منهم لا يكاد يسمع كلامك، فلو أنك اتخذت شيئا تخطب عليه مرتفعا من الأرض و يسمع الناس كلامك،؛ فأرسل (صلى اللّه عليه و سلم) إلى غلام نجار لامرأة من الأنصار فاتخذ له مرقاتين من طرفاء الغابة، فلما قام حنت الخشبة التي كان يخطب إليها» هذا كلامه، و هو موافق لما تقدم عن الأصل في الحوادث.
و الذي ينبغي الجمع بين الروايتين لأن ما علم من أن اتخاذ المنبر من طرفاء الغابة كان بعد اتخاذه من الطين، لأنه أقوى من الارتفاع من منبر الطين، و كون حنين الجذع عند اتخاذ المنبر من الطرفاء من تصرف بعض الرواة، لأن حنينه إنما كان عند اتخاذ المنبر من الطين، و لم يتكرر حنينه كما تقدم.
و لما ولي معاوية الخلافة كسا ذلك المنبر قبطية، ثم كتب إلى عامله بالمدينة و هو مروان بن الحكم أن يرفع ذلك المنبر عن الأرض، فدعا بالنجارين و فعل ست درج، و رفع ذلك المنبر عليها فصارت تسع درجات. و هذا يدل على أن قوله فاتخذ له مرقاتين أي غير المستراح، و من ثم تقدم «فعمل له درجات».
و قيل أمره بحمله إلى الشام، فلما أرادوا قلعه أظلمت المدينة و كسفت الشمس حتى بدت النجوم، و ثارت ريح شديدة، فخرج مروان إلى الناس فخطبهم، و قال: يا أهل المدينة إنكم تزعمون أن أمير المؤمنين بعث إليّ أن أبعث إليه بمنبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أمير المؤمنين أعلم باللّه من أن يغير منبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، إنما أمرني أن أكرمه و أرفعه ففعل ما تقدم.
و قيل: إن معاوية لما حج أراد أن ينقل المنبر إلى الشام، فحصل ما تقدم من كسوف الشمس الخ، فاعتذر معاوية للناس و قال: أردت أن أنظر إلى ما تحته و خشيت عليه من الأرضة، و كساه يومئذ قبطية.
و لا مانع من تعدد الواقعة، و أن واقعة معاوية سابقة على واقعة مروان، لقوله:
لأنظر ما تحته، و إلا فمروان رفعه عن الأرض.
ثم إن هذا المنبر أحرق بسبب الحريق الواقع في المسجد أول مرة، فأرسل صاحب اليمن منبرا فوضع موضعه مكث عشر سنين.
و في الإمتاع: ثم تهافت المنبر النبوي على طول الزمان، فعمل بعض خلفاء بني العباس منبرا و اتخذ من أعواد المنبر النبوي أمشاطا يتبرك بها، فاحترق هذا المنبر المجدد في حريق المسجد، فبعث المظفر ملك اليمن منبرا هذا كلامه. ثم أرسل الملك الظاهر بيبرس من مصر منبرا، فرفع منبر صاحب اليمن و وضع منبر الملك