السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٢ - غزوة أحد
أي و قيل إن طلحة رضي اللّه عنه كان في مشيه اختلاف لعرج كان به، فلما حمل النبي (صلى اللّه عليه و سلم) تكلف استقامة المشي لئلا يشق عليه (صلى اللّه عليه و سلم) فذهب عرجه و لم يعد إليه.
و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) انطلق حتى أتى أصحاب الصخرة: أي الجماعة الذين من الصحابة الذين علوا الصخرة: أي التي في الشعب، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه و أراد أن يرميه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أنا رسول اللّه، ففرحوا بذلك و فرح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الذي وجد في أصحابه من يمنع: أي و لعل هذا الذي أراد رميه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يعرفه و لا من معه من الصحابة لارتفاع الصخرة.
قال: و عطش (صلى اللّه عليه و سلم) عطشا شديدا: أي و لم يشرب من الماء الذي جاء به علي (كرم اللّه وجهه) في درقته، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) وجد له ريحا فعافه: أي كرهه فخرج محمد بن مسلمة رضي اللّه عنه يطلب له ماء فلم يجد. فذهب إلى مياه فأتى منها بماء عذب، فشرب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و دعا له بخير.
و في بعض الروايات أن نساء المدينة خرجن و فيهنّ فاطمة بنت النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما لقيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اعتنقته و جعلت تغسل جراحاته، و عليّ (كرم اللّه وجهه) يسكب الماء فتزايد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير: أي معمول من البردي فأحرقته بالنار حتى صار رمادا، فأخذت ذلك الرماد و كمدته حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم انتهى، أي لأن البردي له فعل قويّ في حبس الدم لأن فيه تجفيفا قويا.
و في حديث غريب أنه (صلى اللّه عليه و سلم) داوى جرحه بعظم بال أي محرق.
و قد يقال: يجوز أن يكون الراوي ظنّ ذلك البردي المحرق عظما محرقا بناء على صحة تلك الرواية. و عن وضع هذا الرماد الحار عبر بعضهم بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) اكتوى في وجهه و جعله معارضا للحديث الصحيح في وصف السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة من غير حساب بأنهم لا يكتوون.
و عارضه أيضا بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كوى سعد بن معاذ مرتين ليرقأ: أي ينقطع الدم من جرحه، و كوى أسعد بن زرارة رضي اللّه عنه لمرض الذبحة.
ففي كلام بعضهم: كان موت أسعد بن زرارة رضي اللّه عنه بمرض يقال له الذبحة فكواه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بيده و قال: بئس الميتة لليهود؛ يقولون أ فلا دفع عن صاحبه و ما أملك له و لا لنفسي شيئا.
و أجيب بأن هذا الحديث محمول على من اكتوى خوفا من حدوث الداء، أو لأنهم كانوا يعظمون أمره و يرون أنه يقطع الداء، و إذا لم يكو العضو عطب و بطل، و هو محمل قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «لم يتوكل من اكتوى» أو على من يفعله مع قيام غيره من الأدوية مقامه.