السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٣ - غزوة أحد
و محمل ما في الخصائص الكبرى أن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنه و تسلم عليه من جانب بيته ثلاثين سنة حتى اكتوى أي لبواسير كانت به فكان يصبر على ألمها، فلما ترك الكيّ عادت الملائكة إلى سلامها عليه، لأن ذلك قادح في التوكل.
و ما في البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال «الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، و شرطة محجم، و كية نار، و أنا أنهي أمتي عن الكيّ» و في رواية «و ما أحبّ أن أكتوي» أي فالنهي للتنزيه لا للتحريم و إلا لم يفعله عمران مع علمه بالنهي.
قال في الهدى: و أراد (صلى اللّه عليه و سلم) بقوله: و أنا أنهي إلى آخره: أي أنه لا يؤتى بالكيّ إلا إذا لم ينجع الدواء فلا يأتي به أولا و من ثم أخره.
قيل و الفصد داخل في شرطة المحجم. و الحجامة في البلاد الحارة أنفع من الفصد، هذا كلامه.
و بينا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في الشعب مع أولئك النفر من أصحابه إذ علت طائفة من قريش الجبل معهم خالد بن الوليد فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «اللهم إنهم لا ينبغي لهم أن يعلونا، اللهم لا قوّة لنا إلا بك» فقاتلهم عمر بن الخطاب و جماعة من المهاجرين حتى أهبطوا من الجبل، أي و نزل قوله تعالى وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [آل عمران: الآية ١٣٩] أي لا تضعفوا عن الحرب، و لا تحزنوا على ما فاتكم من الظفر بالكفار.
و لعل هذا كان قبل أن يعلو (صلى اللّه عليه و سلم) الصخرة كما تقدم. أو لعل الجبل كان أعلى من تلك الصخرة.
قال: و في بعض الروايات أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لسعد «ارددهم، قال: كيف ارددهم وحدي؟ فقال له ارددهم» قال سعد رضي اللّه عنه: فأخذت سهما من كنانتي فرميت به رجلا منهم فقتلته، ثم أخذت سهما فإذا هو سهمي الذي رميت به آخر فقتلته ثم أخذت سهما آخر فإذا هو سهمي الذي رميت به آخر فقتلته، ثم أخذت سهما فإذا هو سهمي الذي رميت به فرميت به آخر فقتلته، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فكان عندي في كنانتي لا يفارق كنانتي، و كان بعده عند بنيه انتهى.
أي و حينئذ يحتاج إلى الجمع بين هذا: أي كون سعد ردهم وحده بهذا السهم. و ما قبله الدال على أن الرادّ لهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه و جماعة من المهاجرين.
و روي عنه أنه قال «لقد رأيتني أرمي بالسهم يوم أحد فيرده عليّ رجل أبيض