السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٧٨ - باب غزوة بدر الكبرى
و ما جاء في فضل من شهد بدرا «أن جبريل (عليه السلام) أتى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال:
ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها، قال جبريل (عليه السلام): و كذلك من شهد بدرا من الملائكة» و في رواية «إن للملائكة الذين شهدوا بدرا في السماء لفضلا على من تخلف منهم» و جاء بعض الصحابة رضي اللّه تعالى عنه إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال «يا رسول اللّه إن ابن عمي نافق، أي و قد كان من أهل بدر، أ تأذن لي أن أضرب عنقه؟ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): إنه شهد بدرا، و عسى أن يكفر عنه» و في رواية «و ما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر و قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
قال و في الطبراني بسند جيد عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «اطلع اللّه على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، أو قال: فقد وجبت لكم الجنة» أي غفرت لكم ما مضى و ما سيقع من الذنوب، أي و هو يفيد أن ما يقع منهم من الكبائر لا يحتاجون إلى التوبة عنه، لأنه إذا وقع يقع مغفورا، و عبر فيه بالماضي مبالغة في تحققه، و هذا كما لا يخفى بالنسبة للآخرة لا بالنسبة لأحكام الدنيا، و من ثم لما شرب قدامة بن مظعون الخمر في أيام عمر جلده و كان بدريا أي و قد يقال هذا يقتضي وجوب التوبة في الدنيا فإذا لم تقع لا يؤاخذ بذلك في الآخرة لأن وجوب التوبة في أحكام الدنيا.
لا يقال: إذا سلم أن الذنب إذا وقع منهم يقع مغفورا لا معنى لوجوب التوبة، و إنما حد عمر رضي اللّه تعالى عنه قدامة زجرا عن شرب الخمر. لأنا نقول: بل لوجوب التوبة في الدنيا معنى و إن كان الذنب إذا وقع مغفورا، لأن المراد بذلك عدم المؤاخذة في الآخرة، و ذلك لا ينافي وجوب التوبة عنه في الدنيا، لأنه لا تلازم بين وجوب التوبة في الدنيا و بين غفران الذنب في الآخرة.
هذا، و في الخصائص الصغرى نقلا عن شرح «جمع الجوامع» أن الصحابة كلهم لا يفسقون بارتكاب ما يفسق به غيرهم. و قدامة هذا كان متزوجا أخت عمر رضي اللّه تعالى عنه، و كان عمر متزوجا بأخت قدامة و هي أم حفصة رضي اللّه عنها، فكان خالا لحفصة و لأخيها عبد اللّه، و كان عاملا لعمر في بعض النواحي أي البحرين، فقدم الجارود سعد بن عبد القيس على عمر من البحرين و كان قدامة واليا عليها، فأخبر عمر أن قدامة سكر، قال: و إني رأيت حدّا من حدود اللّه حقا عليّ أن أرفعه إليك، فقال له عمر: من يشهد معك؟ قال أبو هريرة: فشهد أبو هريرة رضي اللّه عنه أنه رآه سكران، أي قال: لم أره يشرب، و لكني رأيته سكران يقيء، فأحضر قدامة، فقال له الجارود: أقم عليه الحد، فقال له عمر رضي اللّه عنه: أخصم أنت أم شاهد؟ فصمت ثم عاوده، فقال له عمر رضي اللّه عنه: لتمسكن أو لأسوءنك،