السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٩ - باب عرض رسول اللّه
و سبب القتل أنه كان من قاعدتهم أن الأصيل لا يقتل بالحليف، فقتل رجل من الأوس أي و هو سويد بن الصامت رجلا حليفا للخزرج: أي و هو ذياد والد المحذر بن ذياد، و ذياد بالذال المعجمة، مكسورة و مفتوحة و تخفيف المثناة تحت، و المحذر بالذال المعجمة مشددة مفتوحة، فأرادوا أن يقتلوا سويدا فيه، فأبى عليه الأوس، و ذلك لأن سويدا هذا كان تسميه قومه الكامل لشرفه، و نسبه و شعره و جلده، كان ابن خالة عبد المطلب لأن أمه أخت سلمى أم عبد المطلب، و كان قدم مكة حاجا أو معتمرا فتصدى له رسول اللّه حين سمع به لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان لا يسمع بقادم قدم مكة من العرب له اسم و شرف إلا تصدى له و دعاه إلى اللّه تعالى، فدعا سويدا إلى اللّه عز و جل إلى الإسلام، فقال له سويد: لعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اعرضها عليّ فعرضها عليه فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن هذا الكلام حسن و الذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله اللّه عليّ هو هدى و نور، فتلا عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) القرآن و دعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه و قال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف و قدم المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج».
و في كلام بعضهم أنه آمن باللّه و رسوله و سافر حتى دخل المدينة إلى قومه، فشعروا بإيمانه، فقتلته الخزرج بغتة و قيل القاتل له المحذر ولد ذياد الذي قتله سويد، لأن سويدا كان قد شرب الخمر و جلس يبول و هو ممتلئ سكرا، فضربه إنسان من الخزرج فخرج حتى أتى المحذر بن ذياد فقال: هل لك في الغنيمة الباردة؟
قال: ما هي، قال: سويد أعزل لا سلاح معه فخرج المحذر بالسيف مصلتا فلما أبصر سويدا قال له: قد أمكن اللّه منك، قال: ما تريد مني؟ قال: قتلك فقتله، فكان ذلك سبب الحرب بين الأوس و الخزرج ببعاث، فلما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة أسلم الحارث بن سويد و المحذر بن ذياد و شهدا بدرا، فجعل الحارث بن سويد يطلب محذرا يقتله بأبيه فلم يقدر عليه، حتى كان وقعة أحد قدر عليه فقتله غيلة كما سيأتي.
و ممن قتل في هذه الحرب التي يقال لها بعاث شخص، يقال له إياس بن معاذ قدم مكة هو و شخص يقال له أبو الحيسر أنس بن رافع، مع جماعة من قومهم يلتمسون الحلف من قريش على قومهم الخزرج، فأتاهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فجلس إليهم و قال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له، قالوا: و ما ذاك؟ قال: أنا رسول اللّه، بعثني للعباد، و أدعوهم أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا و أنزل عليّ الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام و تلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ و كان صغيرا: أي قوم و اللّه خير مما جئنا إليه، فأخذ أبو الحيسر حفنة من تراب فضرب بها وجه إياس و انتهره، و قال له: دعنا منك لقد جئنا لغير هذا، فسكت إياس و قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عنهم، فلما دنا