السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٠ - باب عرض رسول اللّه
موت إياس صار يحمد اللّه و يسبحه و يهلله و يكبره حتى مات» و اللّه أعلم. ثم انصرف أولئك الرهط من الخزرج راجعين إلى بلادهم.
قال و في رواية «أنهم لما آمنوا به (صلى اللّه عليه و سلم) و صدقوه قالوا له: إنا نشير عليك أن تمكث على رسلك: أي على حالك باسم اللّه حتى نرجع إلى قومنا فنذكر لهم شأنك و ندعوهم إلى اللّه عز و جل و رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) لعل اللّه يصلح ذات بينهم و نواعدك الموسم من العام المقبل؛ فرضي بذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)». انتهى أي فلم يقع لهؤلاء الستة أو الثمانية مبايعة، و يسمى هذا ابتداء الإسلام للأنصار، و ربما سماه بعضهم العقبة الأولى، فلما كان العام المقبل قدم من الأوس و الخزرج اثنا عشر رجلا: أي عشرة من الخزرج و اثنان من الأوس. و قيل: كانوا أحد عشر رجلا منهم خمسة من الستة أو الثمانية الذين اجتمعوا به (صلى اللّه عليه و سلم) عند العقبة أولا، فاجتمع بهم (صلى اللّه عليه و سلم) عند العقبة أيضا، فبايعهم: أي عاهدهم (صلى اللّه عليه و سلم)، أي و سميت المعاهدة مبايعة تشبيها بالمعاوضة المالية، و تلا عليهم آية النساء: أي الآية التي نزلت بعد ذلك في شأن النساء يوم الفتح لما فرغ من مبايعة الرجال و أراد مبايعة النساء.
فعن عبادة بن الصامت «بايعنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» أي كبيعة النساء أي كمبايعته للنساء التي كانت يوم فتح مكة، و هي على أن لا نشرك باللّه شيئا، و لا نسرق، و لا نزني، و لا نقتل أولادنا» أي لأن قتل الأولاد كان سائغا فيهم، و هو وأد البنات قيل و البنين خوف الإملاق.
و في النهر: كان جمهور العرب لا يئدون بناتهم، و كان بعض ربيعة و مضر يئدونهن: و هو دفنهن أحياء؛ فبعضهم يئد خوف العيلة و الافتقار، و بعضهم خوف السبي، قال: وَ لا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ [الممتحنة: الآية ١٢] أي الكذب الذي يبهت صاحبه سامعه يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَ [الممتحنة: الآية ١٢] أي في الحال و الاستقبال، قيل و غير ذلك، و لا نعصيه في معروف أي ما عرف من الشارع حسنه نهيا و أمرا.
قال الحافظ ابن حجر: المبايعة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، و إنما نص بيعة العقبة ما ذكر ابن إسحاق و غيره عن أهل المغازي «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال لمن حضر من الأنصار: أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم و أبناءكم، فبايعوه على ذلك، و على أن يرحل إليهم هو (صلى اللّه عليه و سلم) و أصحابه» ثم ذكر جملة من الأحاديث، و قال: هذه أدلة صريحة في أن هذه البيعة بعد نزول الآية بعد فتح مكة.
أقول: ليس في كلام عبادة أن هذه البيعة بيعة العقبة، إذ لم يقل بايعنا رسول للّه (صلى اللّه عليه و سلم) بيعة العقبة و إن كان السياق يقتضيه، و حينئذ فلا يحسن أن يكون كلام عبادة شاهدا لمن قال، و تلا عليهم آية النساء، فلا يحسن التفريع المتقدم، بل هو