السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨ - باب عرض رسول اللّه
الجمرة فيقال جمرة العقبة، أي و هي عند يسار الطريق لقاصد منى من مكة، و بها الآن مسجد يقال له مسجد البيعة، إذ لقي بها رهطا من الخزرج: أي لأن الأوس و الخزرج كانوا يحجون فيمن يحج من العرب، أي و الأوس في الأصل أي اللغة:
العطية، و يقال للذئب، و يقال لرجل اللهو و اللعب. و الخزرج في الأصل: الريح الباردة، قيل هي الجنوب خاصة و كانوا ستة نفر، و قيل ثمانية أراد اللّه تعالى بهم خيرا، و قد عد الستة في الأصل، و بين الناس اختلاف في ذكرهم، فقال لهم: من أنتم؛ قالوا نفر من الخزرج، فقال: أمن موالي يهود: أي من حلفاء يهود المدينة قريظة و النضير، لأنهم تحالفوا معهم على التناصر و التعاضد على من سواهم، و أن يأمن بعضهم من بعض، و هذا كان في أول أمرهم قبل أن تقوى شوكتهم على يهود قالوا: نعم، قال: أ فلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه (صلى اللّه عليه و سلم)، و في لفظ «وجدهم يحلقون رءوسهم فجلس إليهم فدعاهم إلى اللّه عز و جل و عرض عليهم الإسلام، أي و رأوا امارات الصدق عليه (صلى اللّه عليه و سلم) لائحة، فقال بعضهم لبعض: تعلمون و اللّه أنه للنبي الذي يوعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، لأن يهود كانوا إذا وقع بينهم و بينهم شيء من الشر قالوا لهم: سيبعث نبي قد أظل: أي قرب زمانه نتبعه، نقتلكم معه قتلة عاد و إرم: أي كما تقدم في أخبار الأحبار، و المراد نستأصلكم بالقتل، فلما دعاهم إلى الإسلام أجابوه و صدقوه و أسلموا و قالوا له: إنا تركنا قومنا يعنون الأوس و الخزرج بينهم من العداوة و الشر ما بينهم، أي فإن الأوس و الخزرج كانا أخوين لأب و أم، فوقعت بينهما العداوة، و تطاولت بينهما الحروب، فمكثوا على المحاربة و المقاتلة أكثر من مائة سنة: أي مائة و عشرين كما في الكشاف، فإن يجمعهم اللّه عليك فلا رجل أعز منك.
أقول: و في رواية «قالوا يا رسول اللّه إنما كانت بعاث» أي بضم الموحدة ثم عين مهملة مخففة و في آخره ثاء مثلثة، و قيل بفتح الموحدة و بدل المهملة معجمة، قيل و ذكر المعجمة تصحيف. فعن ابن دريد: صحف الخليل بن أحمد يوم بغاث بالغين المعجمة، و إنما هو بالمهملة. و في القاموس بالمهملة و المعجمة «عام أول يوم من أيامنا اقتتلنا به و نحن كذلك، لا يكون لنا عليك اجتماع حتى نرجع إلى غابرنا لعل اللّه أن يصلح ذات بيننا و ندعوهم إلى ما دعوتنا فعسى اللّه أن يجمعهم عليك فإن اجتمعت كلمتهم عليك و اتبعوك فلا أحد أعز منك» و بعاث مكان قريب من المدينة على ليلتين منها عند بني قريظة، و يقال إنه حصن للأوس كان به القتال قبل قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة بخمس سنين بين الأوس و الخزرج. و سيد الأوس و رئيسهم حينئذ حضير والد أسيد، و به قتل مع من قتل من قومه، و كان النصر فيهم أولا للخزرج ثم صار للأوس.