السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٨ - غزوة بني المصطلق
ثم قلت لنفسي: لقد عوّدني اللّه على الصدق خيرا، فقلت لا، فضرب بقضيبه السرير.
قال: فمن؟ بكر ذلك مرارا، قلت: لكن عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول.
و وقع لسليمان بن يسار مع هشام بن عبد الملك نحو ذلك؛ فإن سليمان بن يسار (رحمه اللّه) دخل على هشام بن عبد الملك. فقال له: يا أبا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال: عبد اللّه بن أبيّ. قال: كذبت هو عليّ، قال: أنا أكذب، لا أبا لك، لو نادى مناد من السماء إن اللّه أحل الكذب ما كذبت. حدثني عروة و سعيد و عبد اللّه و علقمة (رحمهم اللّه)، عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: الذي تولى كبره عبد اللّه بن أبيّ.
و عن عائشة رضي اللّه عنها «أنه ذكر عندها حسان بسوء فنهتهم، و قالت:
سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: لا يحبه إلا مؤمن و لا يبغضه إلا منافق» و في البخاري «كانت عائشة رضي اللّه عنها تنكر أن يسب عندها حسان و تقول: إنه الذي قال:
فإن أبي و والدتي و عرضي* * * لعرض محمد منكم وقاء
فبهذا البيت يغفر اللّه تعالى له».
و ذكر بعضهم أن الذين كانوا يهجون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من مشركي قريش عبد اللّه بن الزبعرى، و أبو سفيان ابن عمه (صلى اللّه عليه و سلم)، و عمرو بن العاص، و ضرار بن الحارث.
و لما أراد حسان رضي اللّه عنه أن يهجوهم، قال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): كيف تهجوهم و أنا منهم؟ و كيف تهجو أبا سفيان ابن عمي؟ فقال له: و اللّه لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم) ائت أبا بكر فإنه أعلم بأنساب القوم منك.
فكان يجيء إلى أبي بكر ليوقفه على أنسابهم، فجعل حسان يهجوهم، فلما سمعوا هجوه. قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة: و عاش حسان رضي اللّه عنه مائة و عشرين سنة، نصفها في الجاهلية، و نصفها في الإسلام، و عاش والده مائة و عشرين سنة، و كذا جده و والد جدّه.
قال بعضهم: و لا يعرف أربعة تناسلوا و تساوت أعمارهم غيرهم، و لم يشهد حسان مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مشهدا، لأنه كان يخشى الموت، فكان ينسب للجبن. و من ثم جعل يوم الخندق مع النساء و الذراري في الآطام. و ما وقع له مع صفية عمته (صلى اللّه عليه و سلم) في أمر اليهودي قتلته في ذلك المكان، و ما قاله لها يدل على أنه كان جبانا شديد الجبن.
و يردّ إنكار بعض العلماء كونه جبانا قال: إذ لو صح ذلك لهجي به، فإنه كان يهاجي الشعراء، و كانوا يردون عليه، فما عيره أحد منهم به و لا وسمه به، و لعله كان