السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٩ - غزوة بني المصطلق
به علة اقتضت جعله مع الذراري في الآطام منعته من شهود القتال، هذا كلامه.
و قد يقال: على تسليم أنه لم يهج بالجبن يجوز أن يكون لكونه كان لا يتأثر بوصفه بذلك.
و ذكر بعضهم أن حسان رضي اللّه عنه شلت يداه بضربة ضربها له صفوان بسيف لما هجاه فذكر ذلك حسان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فدعا حسان و صفوان، أي و أظهر التغيظ على صفوان بسبب إظهاره السلاح على حسان و ضربه به، فقال صفوان: يا رسول اللّه آذاني و هجاني، فاحتملني الغضب فضربته، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لحسان: يا حسان أحسن فيما أصابك، قال: هي لك. و في رواية قال: كل حق لي قبل صفوان فهو لك، فقال له (صلى اللّه عليه و سلم): قد أحسنت و قبلت ذلك منك، و أعطاه رسول (صلى اللّه عليه و سلم) عوضا منها حديقة له، يقال لها بئرحا بفتح الراء في الأحوال الثلاثة مع قصر حا. قيل لها ذلك لأن الإبل يقال لها إذا وردت و زجرت عن الماء حا، حا.
و فيه أنه كان القياس أن يقال بئرحا بضم الراء في حالة الرفع وحدها، إلا أن يقال المجموع اسم مركب، و كانت هذه البئر لأبي طلحة رضي اللّه عنه فتصدق بها على رسول اللّه ليضعها (صلى اللّه عليه و سلم) حيث شاء، ثم باعها حسان من معاوية بمال عظيم.
أقول: الذي في البخاري: «كان أبو طلحة رضي اللّه عنه أكثر أنصاري بالمدينة مالا؛ و كان أحب أمواله إليه بئرحا، و هي حديقة كانت مستقبلة المسجد. و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يدخلها و يستظل بها و يشرب من ماء فيها طيب. فلما نزلت لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: الآية ٩٢] قام أبو طلحة رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه إن اللّه يقول في كتابه لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: الآية ٩٢] و إن أحب أموالي إليّ بئرحا، و إنه صدقة للّه أرجو برّها و ذخرها عند اللّه تعالى، فضعها يا رسول اللّه حيث شئت، فقال (صلى اللّه عليه و سلم): بخ بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، قد سمعت ما قلت فيها، قد قبلناها منك، و رددناها عليك، و أرى أن تجعلها في الأقربين. قال: أفعل يا رسول اللّه، فقسمها أبو طلحة في أقاربه و بني عمه» و في لفظ آخر في البخاري «قال (صلى اللّه عليه و سلم) لأبي طلحة: اجعله لفقراء أقاربك.
فجعل لحسان و أبيّ بن كعب».
و فيه أن أبيّ بن كعب كان غنيا، و بين في البخاري وجه قرابتهما من أبي طلحة، فذكر أن حسان يجتمع مع أبي طلحة في الأب الثالث و أبي يجتمع معه في الأب السادس، و ذكر بعضهم أن أبيّ بن كعب كان ابن عمة أبي طلحة.
و في الإمتاع أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أعطى حسان تلك الحديقة و أعطاه سيرين جاريته أخت مارية أمّ ولده (صلى اللّه عليه و سلم) إبراهيم، فجاءت منه بابنه عبد الرحمن، و كان يفتخر بأنه ابن خالة إبراهيم ابن النبي (صلى اللّه عليه و سلم). و قد روت سيرين هذه عن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) حديثا قالت «رأى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خللا