السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٧ - غزوة بني المصطلق
أي و على الأول لا ينافي ذلك كون صفوان كان متزوّجا، لما تقدم أن زوجته شكته للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): أي على أن ابن الجوزيّ نقل عن شيخه ابن ناصر الدين (رحمه اللّه تعالى) أن صفوان رضي اللّه عنه إنما تزوّج بعد حديث الإفك.
و مما يدل على أن حسان رضي اللّه عنه لم يكن من أصحاب الإفك تبرؤه مما نسب إليه في أبيات مدح بها عائشة رضي اللّه عنها منها:
مهذبة قد طيب اللّه خيمها* * * و طهرها من كل سوء و باطل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم* * * فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
و كيف و ودي ما حييت و نصرتي* * * لآل رسول اللّه زين المحافل
و من ثم قال ابن عبد البر: و قد أنكر قوم كون حسان رضي اللّه عنه خاض في الإفك، و أنه جلد.
و جاء أن عائشة رضي اللّه عنها برأته من ذلك. أي فقد ذكر الزبير بن بكار، أنه قيل لعائشة رضي اللّه عنها و قد قالت في حق حسان رضي اللّه عنه: إني لأرجو أن يدخله اللّه الجنة بذبه بلسانه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أ ليس هو ممن لعنه اللّه في الدنيا و الآخرة بما قال فيك؟ قالت: لم يقل شيئا و لكنه القائل:
فإن كان ما قد قيل عني قلته* * * فلا رفعت سوطي إليّ أناملي
و قد قال مثل هذا البيت أنس بن زنيم، و قد بلغه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أهدر دمه لما بلغه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه هجاه، فجاء إليه (صلى اللّه عليه و سلم) معتذرا و أنشده أبياتا منها:
و نبي رسول اللّه إني هجوته* * * فلا رفعت سوطي إليّ إذن يدي
لكن في رواية أنها كانت تأذن لحسان بن ثابت و تلقي له الوسادة و تقول: لا تقولوا لحسان إلا خيرا، فإنه كان يردّ عن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) بلسانه. و قد قال تعالى وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ [النّور: الآية ١١] و قد عمي، و العمى عذاب عظيم، و اللّه قادر على أن يحيل ذلك و يغفر لحسان و يدخله الجنة.
و فيه أنه سيأتي عن عائشة و غيرها أن الذي تولى كبره عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول كما تقدم إلا أن يقال كبره مقول بالتشكيك، و الذي بلغ فيه الغاية عبد اللّه بن أبي ابن سلول فليتأمل.
و عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي و هو يقرأ سورة النور مستلقيا على سريره، فلما بلغ وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ [النور: الآية ١١] جلس ثم قال: يا أبا بكر من تولى كبره، أ ليس علي بن أبي طالب؟ قال الزهري: فقلت في نفسي: ما ذا أقول؟ إن قلت لا، لا آمن أن ألقى منه شرا، و إن قلت نعم جئت بأمر عظيم.