السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦٦ - باب غزوة بدر الكبرى
نزوجك أيّ امرأة من قريش شئت، فأبى ذلك، و قال: و اللّه لا أفارق صاحبتي، و ما أحبّ أن لي بها امرأة من قريش، فشكر له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ذلك و أثنى عليه بذلك خيرا، فلما وصل أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت.
و قد كان (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل زيد بن حارثة و رجلا من الأنصار قال لهما: تكونان بمحل كذا لمحل قريب من مكة حتى تمرّ بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها.
أي و ذكر أن حماها كنانة بن الربيع أخا زوجها قدم لها بعيرا فركبته و اتخذ قوسه و كنانته، ثم خرج بها نهارا يقودها في هودج لها و كانت حاملا، فتحدث بذلك رجال من قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود رضي اللّه تعالى عنه، فإنه أسلم بعد ذلك، و نخس البعير بالرمح فوقعت و ألقت حملها.
و في رواية أنه سبق إليها هبار و رجل آخر يقال له نافع، و قيل خالد بن عبد قيس. ثم إن كنانة برك و نثر كنانته و أخذ قوسه و قال: و اللّه لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما، فجاء إليه أبو سفيان في رجال من قريش، و قال له: كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف، ثم قال له: إنك لم تصب في فعلك، فإنك خرجت بالمرأة جهارا على رءوس الأشهاد و قد عرفت مصيبتنا التي كانت و ما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت زينب علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك من ذلّ أصابنا، و أن ذلك منا من ضعف و وهن، و لعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، و لكن ارجع بها حتى إذا هدأت الأصوات و تحدث الناس أن قد رددناها فسر بها سرا فألحقها بأبيها ففعل، و أقامت ليالي ثم خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة و صاحبه.
و في رواية «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لزيد بن حارثة: أ لا تنطلق فتجيء بزينب؟ قال بلى يا رسول اللّه، قال فخذ خاتمي فأعطها فانطلق زيد، فلم يزل يتلطف حتى لقي راعيا، فقال: لمن ترعى؟ قال لأبي العاص، قال: فلمن هذه الغنم؟ قال لزينب بنت محمد، فتكلم معه، ثم قال له: هل إن أعطيتك شيئا تعطها إياه و لا تذكره لأحد؟ قال نعم، فأعطاه الخاتم، فانطلق الراعي إلى زينب و أدخل غنمه و أعطاها الخاتم فعرفته، فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل، قالت: فأين تركته؟ قال بمكان كذا و كذا، فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه، فلما جاءته قال لها زيد: اركبي بين يديّ على بعيري: قالت لا، و لكن اركب أنت بين يدي، فركب و ركبت خلفه حتى أتت المدينة و ذلك بعد شهرين من بدر. و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يقول زينب أفضل بناتي أصيبت بي» أي بسببي.
و من العجب أن هذه العبارة ساقها الإمام سراج الدين البلقيني في فتاويه في