السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٨ - غزوة بني المصطلق
فقالوا له: من الرجل؟ قال: رجل منكم قدمت لما بلغني من جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي و من أطاعني، فنكون يدا واحدة حتى نستأصلهم، فقال له الحارث:
فنحن على ذلك؛ فعجل علينا، قال بريدة: أركب الآن فآتيكم بجمع كثير من قومي، فسروا بذلك منه و رجع إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره خبر القوم انتهى. فندب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الناس إليهم، فأسرعوا الخروج، و كان في شعبان لليلتين خلتا منه سنة خمس من الهجرة، و قيل أربع كما في البخاري نقلا عن ابن عقبة، و عليه جرى الإمام النووي في الروضة. قال الحافظ ابن حجر: و كأنه سبق فلم أراد أن يكتب سنة خمس من الهجرة فكتب سنة أربع، لأن الذي في مغازي ابن عقبة من عدة طرق سنة خمس، و قيل سنة ست، و أن عليه أكثر المحدثين، و قادوا الخيل و هي ثلاثون فرسا عشرة للمهاجرين: أي منها فرسان له (صلى اللّه عليه و سلم) اللزاز و الظرب، و عشرون للأنصار رضي اللّه عنهم: و استخلف (صلى اللّه عليه و سلم) على المدينة زيد بن حارثة رضي اللّه عنهما. و قيل أبا ذر الغفاري رضي اللّه عنه. و قيل نميلة تصغير نملة بن عبد اللّه الليثي رضي اللّه عنه، و خرج معه (صلى اللّه عليه و سلم) من نسائه عائشة و أم سلمة رضي اللّه عنهما: أي و خرج معه (صلى اللّه عليه و سلم) ناس كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزوة قط مثلها منهم عبد اللّه بن أبي ابن سلول، و زيد بن الصلت ليس لهم رغبة في الجهاد، و إنما غرضهم أن يصيبوا من عرض الدنيا مع قرب المسافة، و سار (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بلغ محلا نزل به، فأتي برجل من عبد القيس فسلم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له أين أهلك؟ قال: بالروحاء، قال أين تريد؟
قال: إياك جئت لأؤمن بك، و أشهد أن ما جئت به حق: و أقاتل معك عدوك. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): الحمد للّه الذي هداك للإسلام، و سأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي الأعمال أحب؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): الصلاة لأوّل وقتها. فكان بعد ذلك يصلي الصلاة لأول وقتها.
و أصاب (صلى اللّه عليه و سلم) عينا للمشركين و كان وجهه الحارث ليأتيه بخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فسأله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عنهم، فلم يذكر من شأنهم شيئا، فعرض عليه الإسلام فأبى، فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن يضرب عنقه فضرب عنقه، فلما بلغ الحارث مسير رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أنه قتل عينه سيئ بذلك و من معه، و خافوا خوفا شديدا، و تفرق عنه جمع كثير ممن كان معه، و انتهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المريسيع فضربت له (صلى اللّه عليه و سلم) قبة من أدم، و كان معه فيها عائشة و أم سلمة رضي اللّه تعالى عنهما فتهيأ المسلمون للقتال، و دفع (صلى اللّه عليه و سلم) راية المهاجرين إلى أبي بكر رضي اللّه عنه.
و قيل لعمار بن ياسر، و راية الأنصار إلى سعد بن عبادة رضي اللّه عنه، أي و أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أن يقول لهم: قولوا لا إله إلا اللّه تمنعوا بها أنفسكم و أموالكم ففعل عمر ذلك فأبوا فتراموا بالنبل ساعة. ثم أمر