السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٥ - غزوة أحد
هادي لمن أضللت، و لا مضل لمن هديت، و لا معطي لما منعت، و لا مانع لما أعطيت، و لا مقرب لما أبعدت و لا مبعد لما قربت» الحديث.
ثم توجه (صلى اللّه عليه و سلم) للمدينة، فلقيته حمنة بنت جحش بنت عمته (صلى اللّه عليه و سلم) أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي اللّه عنها، فقال لها (صلى اللّه عليه و سلم) احتسبي، قالت: من يا رسول اللّه؟
قال: خالك حمزة، قالت إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: الآية ١٥٦] غفر اللّه له، هنيئا له الشهادة.
ثم قال لها: احتسبي، قالت: من يا رسول اللّه؟ قال: زوجك مصعب بن عمير، فقالت:
وا حزناه و صاحت و ولولت، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إن زوج المرأة لبمكان ما هو لأحد، لما رأى من تثبتها على أخيها و خالها، و صياحها على زوجها ثم قال لها: لم قلت هذا؟
قالت: تذكرت يتم بنيه فراعني، فدعا لها (صلى اللّه عليه و سلم) و لولدها أن يحسن اللّه تعالى عليهم الخلف، فتزوّجت طلحة بن عبيد اللّه، فكان أوصل الناس لولدها و ولدت له محمد بن طلحة.
قال: و جاءت أم سعد بن معاذ تعدو نحو رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو على فرسه و سعد بن معاذ آخذ بلجامها. فقال له سعد: يا رسول اللّه أمي؛ فقال (صلى اللّه عليه و سلم): مرحبا بها، فوقف لها، فدنت حتى تأملت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فعزاها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بابنها عمرو بن معاذ. فقالت: أما إذا رأيتك سالما فقد اشتويت المصيبة: أي استقليتها؛ و دعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لأهل من قتل بأحد: أي بعد أن قال لأم سعد: يا أم سعد أبشري، و بشري أهلهم أن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعا، و قد شفعوا في أهلهم جميعا، قالت: رضينا يا رسول اللّه، و من يبكي عليهم بعد هذا؟!. ثم قالت: يا رسول اللّه ادع لمن خلفوا. فقال: اللهم أذهب حزن قلوبهم، و اجبر مصيبتهم، و أحسن الخلف على من خلفوا.
و سمع (صلى اللّه عليه و سلم) نساء الأنصار يبكين على أزواجهنّ، أي و أبنائهنّ و إخوانهنّ. فقال:
حمزة لا بواكي له، أي و بكى (صلى اللّه عليه و سلم)، و لعله رضي اللّه عنه لم يكن له بالمدينة لا زوجة و لا بنت، فأمر سعد بن معاذ نساءه و نساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يبكين حمزة بين المغرب و العشاء. أي و كذلك أسيد بن حضير أمر نسائه و نساء قومه أن يذهبن إلى بيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يبكين حمزة.
أي و لما جاء (صلى اللّه عليه و سلم) بيته حمله السعدان و أنزلاه عن فرسه ثم اتكأ عليهما حتى دخل بيته، ثم أذن بلال لصلاة المغرب، فخرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين، فصلى (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما رجع من المسجد من صلاة المغرب سمع البكاء، فقال: ما هذا؟ فقيل نساء الأنصار يبكين حمزة، فقال: رضي اللّه عنكن و عن أولادكن، و أمر أن تردّ النساء إلى منازلهن.