السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٣ - غزوة الخندق
حرب إلا الرمي بالنبل و الحصى.
و في تلك المدّة أقبل نوفل بن عبد اللّه بن المغيرة على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فقتله اللّه: أي اندقت عنقه. أي و في لفظ: و أما نوفل بن عبد اللّه، فضرب فرسه ليدخل الخندق فوقع فيه مع فرسه فتحطما جميعا. و قيل رمي بالحجارة، فجعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب؟ فنزل إليه علي (كرم اللّه وجهه) فقتله: أي ضربه بالسيف فقطعه نصفين، و كبر ذلك على المشركين، فأرسلوا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): إنا نعطيك الدية على أن تدفعه إلينا فندفنه. فردّ عليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بأنه خبيث الدية، فلعنه اللّه و لعن ديته، و لا نمنعكم أن تدفنوه، و لا أرب: أي غرض لنا في ديته.
و قيل أعطوا في جثته عشرة آلاف، أي و في رواية أنهم أرسلوا إليه (صلى اللّه عليه و سلم): أن أرسل إلينا بجسده و نعطيك اثني عشر ألفا، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لا خير في جثته و لا في ثمنه، ادفعوه إليهم فإنه خبيث الجسد خبيث الدية. و في لفظ: إنما هي جيفة حمار.
ثم إن عدوّ اللّه حيي بن أخطب سيد بني النضير، كان يقول لقريش في مسيره معهم إن قومي بني قريظة معكم و هم أهل حلقة وافرة، و هم سبعمائة مقاتل و خمسون مقاتلا، فقال له أبو سفيان: ائت قومك حتى ينقضوا العهد الذي بينهم و بين محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فعند ذلك خرج حيي لعنه اللّه حتى أتى كعب بن أسد القرظي سيد بني قريظة و ولي عهدهم الذي عاهدهم عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أي المتقدّم ذكره، فدق عليه باب حصنه، فأبي أن يفتح له و ألح عليه في ذلك. فقال له: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم، و إني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني و بينه، و لم أر منه إلا وفاء و صدقا. فقال له: و يحك افتح لي أكلمك، فقال: ما أنا بفاعل، فغاظه، فقال له: و اللّه ما أغلقت دوني إلا تخوّفا على جشيشتك، أي بالجيم المفتوحة و الشين المعجمة- و هي البر يطحن غليظا، و يقال له الدشيش- أن آكل معك منها ففتح له.
فقال له: ويحك يا كعب، جئت بعز الدهر، جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجمع الأسيال، و بغطفان حتى أنزلتهم بجانب أحد، قد عاهدوني و عاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا و من معه. فقال له كعب: جئتني و اللّه بذلّ الدهر، و كل ما يخشى، فإني لم أر في محمد إلا صدقا و وفاء. و في لفظ: جئتني بجهام: أي سحاب قد هراق ماء: أي لا ماء فيه، يرعد و يبرق، و ليس فيه شيء، ويحك يا حيي، دعني و ما أنا عليه. فلم يزل حيي بكعب حتى أعطاه عهدا من اللّه و ميثاقا لئن رجعت قريش و غطفان و لم يقتلوا محمدا أن يكون معه في حصنه و يصيبه ما أصابه، فعند ذلك نقض كعب العهد، و برىء مما كان بينه و بين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و مزقوا