السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٨٢ - باب الهجرة إلى المدينة
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع النداء يستغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة، فقلت: يا أبتاه أ رأيت صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة لم هذا؟ قال:
أي بني، كان أول من صلى بنا الجمعة قبل أن يقدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة، هذا كلامه، و ليتأمل ما وجه الرد من هذا.
و جاء «صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها، و صيام شهر رمضان في المدينة ألف شهر فيما سواها» كذا في الوفاء عن نافع عن ابن عمر. و أوّل قرية صليت فيها الجمعة بعد المدينة قرية عبد القيس بالبحرين، و هل كانت الخطبة قبل الصلاة أو بعدها.
في الدر أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان و هو بالمدينة يخطب الجمعة بعد أن يصلي مثل العيدين، فبينما هو يخطب يوم الجمعة قائما، إذ قدمت عير دحية الكلبي، و كان إذا قدم يخرج أهله للقائه بالطبل و اللهو، و يخرج الناس للشراء من طعام تلك العير و التفرج عليها، و قيل للتفرج على وجه دحية، فقد قيل كان إذا قدم دحية المدينة لم تبق معصر إلا خرجت لتنظر إليه لفرط جماله. و لا مانع أن يكون ذلك لاجتماع الأمرين، فانفض الناس و لم يبق معه (صلى اللّه عليه و سلم) إلا نحو اثني عشر رجلا. و الجلال المحلي في قطعة التفسير أسقط لفظ نحو: أي و انفضاض ما عدا هؤلاء، يحتمل أن يكون بعد ذلك في حال الخطبة قبل تمام الأركان. و يحتمل أن يكون بعد ذلك.
و على الأول: يجوز أن يكون رجع ممن انفض ما يكمل به العدد أربعين قبل طول الفصل. و قد أعاد (صلى اللّه عليه و سلم) ما لم يسمعوه من أركان الخطبة عند انفضاضهم، فلا يخالف ما ذهب إليه إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه من وجوب سماع أربعين لأركان الخطبة.
قال مقاتل: بلغني أنهم فعلوا ذلك أي الانفضاض عند الخطبة ثلاث مرات، فأنزل اللّه تعالى وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً [الجمعة: الآية ١١] الآية. ثم صار (صلى اللّه عليه و سلم) يخطب قبل أن يصلي أي ليحافظ الناس على عدم الانفضاض لأجل الصلاة، و عليه انعقد الإجماع، فلا نظر لمخالفة الحسن البصري. و حينئذ يكون قول بعض فقهائنا استدلالا على وجوب تأخر صلاة الجمعة عن الخطبتين يثبت صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) بعد خطبتين أي استقر ثبوت ذلك.
و عن الزهري «بلغنا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه كان يقول إذا خطب» أي في غير الخطبة المتقدمة «كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت، لا يعجل اللّه لعجلة أحد و لا يخف لأمر من الناس، يريد الناس أمرا و يريد اللّه أمرا، فما شاء اللّه كان لا ما شاء الناس، و ما شاء اللّه كان و لو كره الناس، لا مبعد لما قرب اللّه، و لا مقرب لما