السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦٣ - باب غزوة بدر الكبرى
و في الأصل «أن جبريل عليه الصلاة و السلام نزل على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في أسارى بدر فقال: إن شئتم أخذتم منهم الفداء و يستشهد منكم سبعون بعد ذلك، فنادى منادي النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في أصحابه فجاؤوا أو من جاء منهم أي و هم المعظم فقال: إن هذا جبريل يخبركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم، و بين أن تفادوهم و يستشهد قابلا منكم بعدتهم، فقالوا بل نفاديهم فنتقوى به عليهم و يدخل قابلا منا الجنة سبعون و في لفظ و يستشهد منا عدتهم. فليس في ذلك ما نكره و هو كما ترى، يدل على أن الصحابة وافقوا أبا بكر رضي اللّه عنهم على أخذ الفداء، و لعل هذا الإخبار بالتخيير كان بعد الاستشارة التي تكلم فيها أبو بكر و عمر، و أن بكاءه (صلى اللّه عليه و سلم) كان بعد هذه الاستشارة الثانية، و قول صاحب الهدى بكاؤه (صلى اللّه عليه و سلم) و بكاء الصديق رحمة و خشية أن العذاب يعم و لا يصيب من أراد ذلك خاصة يفيد أن الذي أشار بأخذ الفداء طائفة من الصحابة لا كلهم.
أقول: و فيه أن هذا يشكل عليه قوله «لو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب، و سعد بن معاذ» فإن فيه تصريحا بأن العذاب لو وقع لا يعم و أنه لا يصيب إلا من أشار بالفداء. و فيه أن من أشار بالفداء غاية الأمر أنهم اختاروا غير الأصلح من الأمرين، و اختيار غير الأصلح لا يقتضي العذاب، على أن حل أخذ الفداء علم من واقعة عبد اللّه بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي، فإنه أسر فيها عثمان بن المغيرة و الحكم بن كيسان و لم ينكره اللّه تعالى، و ذلك قبل بدر بأزيد من عام؛ إلا أن يقال أراد اللّه تعالى تعظيم أمر بدر لكثرة الأسارى فيها مع شدة تصلبهم في مقاتلته (صلى اللّه عليه و سلم). و في المواهب كلام في الآية المذكورة يتأمل فيه.
و رأيت فيها عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «لو لا أني لا أعذب من عصاني حتى أقدم إليه الحجة لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم».
و عن الأعمش سبق منه أنه لا يعذب أحدا شهد بدرا، و من ثم جاء كما يأتي «أن رجلا قال: يا رسول اللّه إن ابن عمي نافق، أي ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له:
إنه شهد بدرا، و ما يدريك لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [فصلت:
٤٠]» و اللّه أعلم، و لا ينافي قتل سبعين منهم في قابل: أي في أحد كون بعض الأسارى في بدر مات في الأسر و لم يؤخذ فداؤه، و هو مالك بن عبيد اللّه أخو طلحة بن عبيد اللّه، و كون بعضهم أطلق من غير أخذ فداء، لأن المنكر عدم قتل أولئك السبعين الذي أسروا.
قال بعضهم: اتفق أهل العلم بالسير على أن المخاطبين بقوله تعالى أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها [آل عمران: الآية ١٦٥] هم أهل أحد: أي قد أصبتم يوم بدر مثلي من استشهد منكم يوم أحد سبعين قتيلا و سبعين أسيرا، و اللّه أعلم.