السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٩٠ - باب تحويل القبلة
أي و في كلام بعضهم: و ذكر الأسفراييني «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض، فالتزمه فعاد إلى مكانه» و في رواية «و وضع يده عليها، و قال لها اسكني و اسكتي فسكتت» و في رواية «أن هذا» أي الجذع «يبكي لما فقد من الذكر، و الذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا» أي يحن إلى يوم القيامة. زاد في رواية «حزنا على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» و قوله لما فقد من الذكر هو واضح على الرواية الأولى. و أما على الثانية فالمراد لما يفقده من الذكر، و إلى حنين الجذع أشار الإمام السبكي (رحمه اللّه تعالى) في تائيته بقوله:
وحن إليك الجذع حين تركته* * * حنين الثكالى عند فقد الأحبة
و عن بعضهم قال: قال لي الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: ما أعطى اللّه نبيا ما أعطى محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، فقلت أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) حنين الجذع، فهذا أكبر من ذاك. و في رواية «لا تلوموه» أي الجذع «على حنينه فإن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يفارق شيئا إلا وجد عليه» أي حزن. و في رواية «أنه قال له: إن شئت أردك إلى الحائط» أي البستان الذي كنت فيه تنبت لك عروقك و يكمل خلقك و يجدد لك خوص و ثمرة، و إن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء اللّه من ثمرك.
ثم أصغى له (صلى اللّه عليه و سلم) يسمع ما يقول فقال بصوت سمعه من يليه: بل تغرسني في الجنة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد فعلت قد فعلت» و في رواية «لما أصغى إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: اختار أن أغرسه في الجنة» أي و في رواية «اختار دار البقاء على دار الفناء» و لا يخالف ما قبله، لأنه يجوز أن يكون السائل من غير من سمع جوابه و أمر به فدفن تحت المنبر، و قيل جعل في السقف و أخذه عنده أبيّ رضي اللّه عنه بعد أن هدم المسجد و أزيل سقفه، فكان عنده إلى أن أكلته الأرضة و عاد رفاتا أي متكسرا من شدة اليبس.
أقول: في سيرة الحافظ الدمياطي قالوا «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائما، فقال: إن القيام شق عليّ، فقال له تميم الداري أ لا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام، أي تصنعه النصارى في كنائسهم لأساقفتهم تسمى المرقاة يصعدون إليها عند تذكيرهم فتشاور رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذوه، فقال العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنهما إن لي غلاما يقال له كلاب أعلم الناس أي بالنجارة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مره أن يعمله، فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها ثم عمل منها درجتين و مقعدا، ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم، فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قام عليه» أي و قال «إن أتخذ منبرا فقد اتخذه أبي إبراهيم» أي و لعله (صلى اللّه عليه و سلم) عنى به المقام الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت و هو الحجر، إلا إن ثبت أن إبراهيم كان له منبر يحدث عليه الناس.