السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٧٥ - غزوة دومة الجندل
فسماهم أهل مكة جيش السويق، يقولون: إنما خرجتم لتشربوا السويق.
و أقام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده مدة الموسم التي هي ثمانية أيام، أي فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) انتهى إلى بدر هلال ذي القعدة كما تقدم، و قام السوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيام و السوق قائمة. أي و صار المسلمون كلما سألوا عن قريش و قيل لهم قد جمعوا لكم يقولون: حسبنا اللّه و نعم الوكيل، حتى قيل لهم لما قربوا من بدر: إنها قد امتلأت من الذين معهم أبو سفيان يرعبونهم و يرهبونهم، فيقول المؤمنون: حسبنا اللّه و نعم الوكيل، فلما قدموا بدرا وجدوا أسواقا لا ينازعهم فيها أحد، فأنزل اللّه تعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) [آل عمران: الآية ١٧٣] فالمراد بالناس الأول: نعيم نزل منزلة الجماعة.
و عن إمامنا الشافعي رضي اللّه تعالى عنه أن القائلين ذلك كانوا أربعة، و لا مانع أن يكون هؤلاء الأربعة من المنافقين لعنهم اللّه، وافقوا نعيما على ما قال حتى إن قائلهم قال للمسلمين: إنما أنتم لهم أكلة رأس، و إن ذهبتم إليهم لا يرجع منكم أحد.
و قيل القائلون ركب من عبد القيس، كانوا قاصدين المدينة للميرة، فجعل لهم أبو سفيان حمل أبعرتهم زبيبا إن هم خذلوا المسلمين و أرجفوهم. و لا مانع من وجود ذلك كله.
هذا، و قد نقل ابن عطية (رحمه اللّه) عن الجمهور أن هذه الآية الواقعة المذكورة إنما كانت بحمراء الأسد عند انصرافه من أحد فليتأمل.
ثم انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة، أي و بلغ قريشا خروج المسلمين لبدر و كثرتهم، و إنهم كانوا أصحاب الموسم: أي و المخبر لهم بذلك معبد بن أبي معبد الخزاعي، فإنه بعد انقضاء الموسم خرج سريعا إلى مكة و أخبرهم بذلك. فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد و اللّه نهيتك يومئذ أن تعد القوم، و قد اجترؤوا علينا و رأوا أنا أخلفناهم، و إنما خلفنا الضعف.
غزوة دومة الجندل
بضم الدال و يجوز فتحها، و اقتصر الحافظ الدمياطي على الأول: أي و أما دومة بالفتح لا غير فموضع آخر، و من ثم قال الجوهري: الصواب الضم، و أخطأ المحدثون في الفتح. سميت بدومي بن إسماعيل (عليه السلام)، لأنه كان نزلها: و هي بلدة بينها و بين دمشق خمس ليال، و هي أقرب بلاد الشام إلى المدينة، و بينها و بين