السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣١٩ - غزوة أحد
دم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم ازدرده، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «من مس دمي دمه لم تصبه النار».
و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» و أشار إليه فاستشهد في هذه الغزاة. و في لفظ «من سره أن ينظر إلى من لا تمسه النار فلينظر إلى مالك بن سنان رضي اللّه عنه» و لم ينقل أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر هذا الذي امتص دمه بغسل فمه و لا أنه غسل فمه من ذلك، كما لم ينقل أنه أمر حاضنته أم أيمن بركة الحبشية رضي اللّه عنها بغسل فمها و لا هي غسلته من ذلك لما شربت بوله (صلى اللّه عليه و سلم).
فعنها رضي اللّه عنها أنها قالت «قام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الليل إلى فخارة أي تحت سريره فبال فيها فقمت و أنا عطشى فشربت ما في الفخارة و أنا لا أشعر، فلما أصبح النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: يا أم أيمن قومي إلى تلك الفخارة فأهريقي ما فيها، فقالت:
و اللّه لقد شربت ما فيها، فضحك (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه، ثم قال: لا يجفر» بالجيم و الفاء «بطنك بعده أبدا» و في لفظ «لا تلج النار بطنك» و في أخرى «لا تشتكي بطنك» أي و يجوز أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: هذه الألفاظ الثلاثة و كل روى بحسب ما سمع منها، فتكون هذه الأمور الثلاثة تحصل لأم أيمن رضي اللّه عنها و في رواية بدل فخارة «إناء من عيدان» بالفتح: الطوال من النخل، فإن صحا حملا على التعدد لأم أيمن رضي اللّه عنها، و لا مانع منه.
و قد شرب بوله (صلى اللّه عليه و سلم) أيضا امرأة يقال لها بركة بنت ثعلبة بن عمرو، كانت تخدم أم حبيبة رضي اللّه عنها؛ جاءت معها من الحبشة: أي و من ثم قيل لها بركة الحبشية.
و في كلام ابن الجوزي: بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان الحبشية خادمة أم حبيبة زوج النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، هذا كلامه.
و لا مخالفة، لأنه يجوز أن يكون يسار لقبه ثعلبة، و كانت معها في الحبشة ثم قدمت معها مكة، كانت تكنى بأم يوسف، فقال لها (صلى اللّه عليه و سلم) حين علم أنها شربت ذلك «صحة يا أم يوسف» فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه.
و في رواية أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال لها «لقد احتظرت من النار بحظار» و شرب دمه (صلى اللّه عليه و سلم) أيضا أبو طيبة الحجام، و عليّ (كرم اللّه وجهه)، و كذا عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما.
فعن عبد اللّه بن الزبير قال «أتيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد اللّه اذهب بهذا الدم فأهرقه حتى لا يراك أحد، قال فشربته، فلما رجعت قال: يا عبد اللّه ما صنعت؟ قلت: جعلته في أخفى مكان علمت أنه يخفى على الناس، قال: