السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٨ - باب الهجرة إلى المدينة
أبي بكر على ناقة أبي بكر، و تارة ركب (صلى اللّه عليه و سلم) على ناقة نفسه أمامه، و أن ركوبه لها كان في أثناء الطريق، و يكون (صلى اللّه عليه و سلم) إما أركب راحلته عامر بن فهيرة، أو ترك ركوبها لأجل إراحتها، و الهداية كما تكون من المتقدم تكون من المتأخر، و إن كان الأوّل هو الغالب و اللّه أعلم، و إلى توجهه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة أشار صاحب الهمزية بقوله:
و نحا المصطفى المدينة و اشتا* * * قت إليه من مكة الأنحاء
أي و قصد (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة و اشتاقت إليه الجهات و النواحي من مكة. و قد جاء «أنه لما خرج (صلى اللّه عليه و سلم) من مكة إلى المدينة مهاجرا و بلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأنزل اللّه تعالى عليه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [القصص: الآية ٨٥] أي إلى مكة».
و أهل الرجعة يقولون إلى الدنيا: أي من يقول بأن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يرجع إلى الدنيا كما يرجع عيسى، و قد أظهرها عبد اللّه بن سبأ، كان يهوديا و أمه يهودية سوداء؛ و من ثم كان يقال له ابن السوداء، أظهر الإسلام في خلافة عمر رضي اللّه تعالى عنه، و قيل في خلافة عثمان رضي اللّه عنه، و كان قصده بإظهار الإسلام بوار الإسلام، فكان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع إلى الدنيا و يكذب برجعة محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد قال اللّه تعالى إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [القصص: الآية ٨٥] فمحمد أحق بالرجعة من عيسى عليهما الصلاة و السلام، و تقدم ذلك في أثناء الكلام على بدء الوحي، و سيأتي ذلك عند بناء المسجد. و كانت قريش كما تقدم أرسلت لأهل السواحل أن من قتل أو أسر أبا بكر أو محمدا كان له مائة ناقة، أي فمن قتلهما أو أسرهما كان له مائتان.
فعن سراقة قال «جاءنا رسل كفار قريش يجعلون فيهما إن قتلا أو أسرا ديتين، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج: أي بقديد و هو محل قريب من رابغ أقبل رجل منهم حتى قام علينا و نحن جلوس، فقال: يا سراقة إني رأيت أسودة: أي أشخاصا بالسواحل أراه محمدا و أصحابه. قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت: إنهم ليسوا بهم و لكنك رأيت فلانا و فلانا انطلقوا بأعيننا: أي بمعرفتنا يطلبون ضالة لهم، أي و في لفظ «قال رأيت ركبة بالتحريك جمع راكب ثلاثا مروا عليّ آنفا» أي قريبا «إني لأراهم محمدا و أصحابه. قال سراقة: فأومأت إليه أن أسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يتبعون ضالة لهم، ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت إلى منزلي، فأمرت جاريتي أن تخرج فرسي خفية إلى بطن الوادي و تحبسها عليّ، و أخذت رمحي و خرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجة في الأرض» و الزج الحديدة التي تكون في أسفل الرمح «و خفضت عاليه» أي أمسكت بأعلاه «و جعلت أسفله في الأرض لئلا يراه أحد» و إنما فعل ذلك كله ليفوز بالجعل المتقدم ذكره،