السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥١ - باب بدء الأذان و مشروعيته
تكرهون» و في رواية: «لئلا يستقبلكم بشيء تكرهونه» أي يجيبكم بما هو دليل عندكم على أنه النبي الأمي و أنتم تنكرون نبوّته «فقاموا إليه فقالوا: يا محمد» و في رواية «يا أبا القاسم ما الروح؟» و في رواية «أخبرنا عن الروح فسكت» قال ابن مسعود: فظننت أنه (صلى اللّه عليه و سلم) يوحى إليه، فقال وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء: الآية ٨٥] أي التي يكون بها الحيوان حيا قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: الآية ٨٥] فقالوا: هكذا نجد في كتابنا أي التوراة» و قد تقدم الكلام على ذلك عند الكلام على فترة الوحي.
قال صاحب الإفصاح: إنه إنما سأل اليهود عن الروح تعجيزا و تغليطا؛ لأن الروح تطلق بالاشتراك على الروح للإنسان، و على القرآن، و على عيسى، و على جبريل، و على ملك آخر، و على صنف من الملائكة، فقصد اليهود أنه بأي شيء أجابهم به، قالوا: ليس هو، فجاءهم الجواب مجملا، فكان هذا الجواب لرد كيدهم، لأن كل واحد مما ذكر أمر من مأمورات الحق تعالى. و لما أنزل اللّه تعالى في حق اليهود وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: الآية ٨٥] قالوا أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، و من أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا، فأنزل اللّه تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) [الكهف: الآية ١٠٩] و في الكشاف «أنهم قالوا: نحن مخصوصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه؟
فقال (صلى اللّه عليه و سلم): نحن و أنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا، فقالوا: ما أعجب شأنك، ساعة تقول وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: الآية ٢٦٩] و ساعة تقول هذا، فنزلت وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: الآية ٢٧] هذا كلامه «و سألوه (صلى اللّه عليه و سلم) متى الساعة إن كنت نبيا» فأنزل اللّه تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [الأعراف: الآية ١٨٧] الآية».
أي «و جاء يهوديان إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فسألاه عن قوله تعالى وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [الإسراء: الآية ١٠١]، فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لهما لا تشركوا باللّه شيئا، و لا تزنوا، و لا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، و لا تسرقوا، و لا تسحروا، و لا تمشوا ببريء إلى سلطان، و لا تأكلوا الربا، و لا تقذفوا محصنة، و عليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت، فقبلا يديه و رجليه (صلى اللّه عليه و سلم) و قالا: نشهد أنك نبيّ، قال: ما يمنعكما أن تسلما؟ فقالا: نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا يهود».
أي «و سألوه (صلى اللّه عليه و سلم) عن خلق السموات، أي في أيّ زمن، و الأرض و ما بينهما، أي مدة ما بينهما؟ فقال لهم: خلق الأرض في يوم الأحد و الاثنين، و خلق الجبال و ما فيها يوم الثلاثاء» أي، و لذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل «و خلق البحر و الماء و المدائن و العمران و الخراب يوم الأربعاء، و خلق السموات يوم الخميس، و خلق الشمس و القمر و النجوم و الملائكة يوم الجمعة، قالوا: ثم ما ذا يا محمد؟ قال: ثم