السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٧٧ - باب غزوة بدر الكبرى
و هذه المرة الثالثة التي كانت عقب الأحزاب، و إن إرسال عمرو بن أمية و إسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي كان في هذه المرة الثالثة.
و حينئذ لا يشكل إرسال عمرو بن أمية للنجاشي، لأنه كان مسلما حينئذ، فيكون ذكر مجيء عمرو بن أمية إلى النجاشي في المرة الثانية التي كانت عقب بدر اشتباه من بعض الرواة و كذا ذكر إسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي في المرة الثانية من تخليط بعض الرواة.
ثم رأيته في «الإمتاع» قال: و قد رويت قصة الهجرة إلى الحبشة و إسلام النجاشي من طرق عديدة مطولة و مختصرة. و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يرسل عمرو بن أمية الضمري في أموره لأنه كان من رجال النجدة، أي و معلوم أنه كان لا يرسله إلا بعد إسلامه، و إسلامه قد علمت أنه كان سنة أربع. و في الأصل أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أرسله إلى مكة بهدية لأبي سفيان بن حرب.
أي و لعل المراد بذلك ما حكاه بعض الصحابة قال «دعاني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح و قال لي:
التمس صاحبا، قال: فجاءني عمرو بن أمية، فقال: بلغني أنك تريد الخروج إلى مكة و تلتمس صاحبا، قلت: أجل، قال: فأنا لك صاحب، قال: فجئت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقلت: وجدت صاحبا، فقال: من؟ قلت: عمرو بن أمية الضمري، فقال: إذ هبط بلاد قومه فاحذروه، فإنه قد قال القائل: أخوك البكري و لا تأمنه، و قد أسلم عبد اللّه ولده قبل أبيه عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنهما، روي «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال فيهما و في أم عبد اللّه: نعم البيت عبد اللّه و أبو عبد اللّه و أم عبد اللّه» و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يفضل عبد اللّه على أبيه، لأنه كان من عباد الصحابة و زهادهم و فضلائهم و علمائهم، و من أكثرهم رواية.
و ذكر ابن مرزوق (رحمه اللّه) «أن ابن عمرو رضي اللّه تعالى عنهما مر ببدر فإذا رجل يعذب و يئنّ، فناداه يا عبد اللّه، قال: فالتفت إليه، فقال: اسقني، فأردت أن أفعل فقال الأسود الموكل بتعذيبه: لا تفعل يا عبد اللّه، فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» رواه الطبراني في الأوسط. زاد السيوطي في الخصائص «فأتيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم)» فأخبرته قال: أو قد رأيته؟ قلت نعم، قال: ذاك عدوّ اللّه أبو جهل، و ذاك عذابه إلى يوم القيامة».
و أخرج ابن أبي الدنيا و البيهقي عن الشعبي «أن رجلا قال للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حديد» و في لفظ «بعمود حديد حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ذاك أبو جهل يعذب إلى يوم القيامة».